Ibn Rushd Fund for Freedom of Thought

عن الكتابة النسوية بقلم محمد باقي محمد

     إذاً وعلى هامش ما يُسمّى بالكتابة النسوية التي راحت تستأثر بالاهتمام أكثر فأكثر، ربّما سنبدو في جزء من كلامنا مُنافحين عنها، أي عن المرأة، وقد نبدو في موقع آخر على التضاد معها، في حين أنّنا لسنا في هذا الموقع أو ذاك، ذلك أنّ ما يشغلنا - هنا - هو حقيقة الموضوعة من جهة، والصالح العام من جهة ثانية، على ألا يُفهم ممّا سلف بأنّنا - في بحثنا عن الحقيقة - ندّعي امتلاكها، ربّما لأنّها - أي الحقيقة - مُوزّعة بيننا على تفاوت ، وبالتالي فهي عصية على الإمساك بمجامعها، ثمّ أنّ المسألة تتجاوز وضع الأنثى في الديانات السماوية أو غير السماوية ، لتتموضع في اللحظة التي غادرت فيها الجماعات البشرية المُجتمع الأمويّ، تلك التي اتكأت على أهمية دور المرأة في عملية الإنجاب، أي على النسب الثابت إليها، ناهيك عن دورها الكبير في العمل الإنساني، أي في إنتاج الخيرات المادية للمُجتمع، وذلك في إطار أول تقسيم عمل بين الرجل الصياد والمرأة جامعة الثمار!

    على هذا قد نتذكر - في مخيال إنسانيّ غابر يتقدّم على الكتابة ذاتها كفعل مُؤنسن - انقسام السحريّ إلى دين وعلم وفنّ ، إذاك - وفي زمان موغل في القدم - أدرك الحاكم أهمية الدينيّ في قيادة الشعوب، ربّما لأنّه يتأسّس على جملة المُعتقدات والعادات المُتشكلة في الأذهان كصور ، حتى إذا فككنا رموزها، تبدّت لنا على هيئة تقاليد،  أحد وظائفها يتمحور حول توليف المُعتقدات والعادات لتتناسب ومفهوم الطاعة والولاء!

   أدرك الحاكم هذه المسألة إذاً، كما أدركها الرجل الذكر، ليُلحق ذهنية ذكورية بالديني على شكل أعراف تلبست بلبوس هذا الدينيّ ، ما سيقودنا - بالضرورة - إلى أنّ تسييس الدين ليس ظاهرة حديثة، وإلى أنّ الفقه كاجتهاد بشري في مُحاولة لتأويل النصّ أو شرحه لم يخلُ من تسيّد تصوّرات بعينها ، تنطلق غالباً من منطوق ذكوريّ، وفي وهمنا أنّ ما تقدّمَ إنّما هو مُحاولة تروم وضع المُتعالي والمُطلق في خدمة الأرضيّ، الأرضيّ المُتعيّن بتأريخ مُحدّد ، أي في خدمة النسبيّ المحكوم بالنقص، ما سيُنتج عنه استتباع الدينيّ للسياسيّ، ويُفسرّ لنا التحالف المقيت بين السلطان والفقيه غير مرّة!

     بهذا المعنى تلوح ضرورة الفصل بين الدين والدولة بالمعنى التاريخاني لا العلماني ، ذلك أنّ ظلّ القداسة سينسحب - من الدينيّ - على تاريخ الدولة ، فإذا استشهدنا بالمسيحية مثلاً، لتذكّرنا بأنّ الامبراطورية الرومانية - بعد قسطنطين الكبير، أي بعد انتقالها من الوثنية إلى المسيحية - شملت حوض المتوسط بأكمله ، ناهيك عن أجزاء واسعة من أوروبا الوسطى والشمالية، ومُؤكّدين بأنّ دولة لها هذا الاتساع ستمور بتيارات فكرية واجتماعية واقتصادية ، ربّما بسبب من تباين شعوبها وأعراقها - وبالتالي - مصالحها، فهل ستختلف الدولة الإسلامية - إذ راحت تشمل مساحات تصل إلى تخوم الصين شرقاً ، وحدود أسبانيا غرباً - عن المثال السابق في تنوّع مُكوناته وثرائها، وتباين مصالحها ومُكوّناتها!؟

     ذهبنا إلى أنّ المُجتمعات بعد أن غادرت التشكيلة الأمويّة ، أسّست للهيمنة الذكورية - ربّما لأنّ الصيد تطلب القوة المتحصل عليها من قبل الرجل، على عكس المواظبة التي تمتعت بها الأنثى في مرحلة الجمع والالتقاط المشاعية - سواء حينما انقسمت المُجتمعات إلى أسياد وعبيد في التشكيلة العبودية، أو في ما تلت من تشكيلات اجتماعية لاحقة، بشكل يدفعنا للتساؤل، أن ألم تبسط البطريركية الأبوية الفظة ظلها على التأويل المُماري للرغائب لا للنصّ أو للواقع!؟

      وإذ تتموضع الإجابة في خانة الإيجاب ستتحدّد وظائف بعينها للمرأة ، بعضها بيولوجيّ كالإنجاب مثلاً، وبعضها اجتماعيّ تمّت وراثته حقبة فحقبة، وقد نُمثل للأخيرة باعتبارها أداة متعة في السرير، ما يصبّ - هو الآخر - في خانة البيولوجيّ، أوطباخة في المطبخ في تقسيم لاحق للعمل ربّما، هذا إذا تجاهلنا تخصص الرجل بالصيد والمرأة بالجمع والالتقاط - كما نوّهنا - في بدايات الاجتماع البشريّ!


     حسناً ..أليست هذه البيئة هي الحاضن الاجتماعي الذي اشتغلت المرأة فيه بالكتابة!؟ على هذا - وتأسيساً على الذكوريّة - ألم يعبّر الرجل عن نفسه - أو عنها - على طريقته، مصادراً حقها في التعبير عن ذاتها في كثير من الأحايين!؟ فهل نذهب إلى أنّ التفوّق عليها في التعبير عن ذاتها غير مرّة سيبدو مسألة طبيعيّة، بمقدار ما هو غريب!؟ وهل نستشهد في ما تقدّمَ بهنري جيمس في رائعته " صورة سيدة"، ربّما لأنّنا سندعيّ بأنّنا - وفي حدود قراءتنا المُتواضعة - لم نقرأ لكاتبة صورة أعمق لما جاء به جيمس عن المرأة!؟

     تعالوا - إذاً - نتفق على استثناء الغرب - بحدود - ممّا تقدّم من توصيف، ذلك أنّ المرأة خرجت إلى سوق العمل بعد الانقلاب الصناعيّ، ربّما لأنّها كانت تتحصّل على أجر أقل ، بيد أنّ الفكر الليبرالي القائم على حرية الفرد في إطار القانون، الفكر الذي أنتجه عصر الأنوار الأوروبيّ ، أتاح لها - في ما بعد - التحصل على حقوقها بحدود، ما مكنّها من التعبير عن هواجسها وأحلامها - كتابة - إلى حدّ كبير، ولنتذكر - هنا - فرانسوا ساغان أو جورج صاند على سبيل التمثيل لا الحصر!

         بيد أنّ السؤال الذي يجبهنا على إبهاظ، أن ماذا عن المرأة في عموم العالم المُخلف!؟ حسناً .. قد نقول أنّ حالات بعينها شكلت استثناءً في حرية التعبير عمّا يشغل المرأة كاتبة وإنساناً، لنمُثل لهذه الحالات بفاطمة المرنيسي مطلبياً، في اشتغال شديد الذكاء على الموروث الدينيّ، ونوال السعداوي في محاولة للتماثل مع الرجل فكرياً، في هروب من تغوّل فكرة الامتثال ربّما، وغادة السمان أو أحلام المُستغانمي أدبياً في التعبير عن أحلام شريحة كبيرة من الإناث أو المواطنات، هذا على سبيل التمثيل لا الحصر!

    بيد أنّ واقعاً تقدّمَ شرحه سيُفسّر حالات أخرى غالبة للكتابة اندرجت في خانة خطاب تقليديّ شعبوي، يتخاطفه اتجاهان، اتجاه يذهب إلى مُخاطبة الشريك الرجل، لتشكو له المرأة - من خلاله - مدى الحيف الذي لحقها منه ، إنّها تشكوه ظلمه واستبداده ، وآخر يندرج في نشدان حبّ غير مُتحقق في الواقع، ربّما لأنّ الرجل إذ أنجز هيمنته على المرأة ضيع سؤال الحب، أي أنّه ضيّع سؤال السعادة على الطرفين،  ذلك أنّ العلاقة عندما تقوم على الامتثال لا التماثل قد تحقق كل شيء إلاّ السعادة!

    وقد يستدعي التماثل جملة من الحقوق تماماً كما يقوم على جملة من هذه الحقوق، ما يُفسّر تعدّد التجمّعات التي تدافع عن حقوق المرأة، وغياب مثيلاتها التي تدافع عن حقوق الرجل، ذلك أنّ هذ الحقوق لم تتعرّض للافتئات على يد المرأة، هذا إذا تجاهلنا الاستغلال الطبقيّ الواقع على الرجل والمرأة في مجتمعات ما بعد المشاعة الأولى!

    واضح - وعلى نحو أكيد - بأنّ التماثل غير مُدرج على بساط البحث في المنظومة الذهنية الذكورية المُهيمنة أساساً، ربّما لغياب القيمة أو المعيار، ناهيك عن هيمنة وعي مُفوّت، وعي يشمل الميثولوجيّ والتصورات الاجتماعيّة والثقافية ، بل والسياسيّة أيضاً ، فيربط المسألة بالتأثيم الدينيّ أو العيب الاجتماعيّ، ويجعل السير بها مهمة بالغة الصعوبة والتعقيد!

   ربّ سائل عمّا إذا اقتصرت كتابة المرأة على ألمها في انكفاء ، فلم تتصدّى للشأن العام كمُواطنة مثلاً !؟ وفي الجواب لن ننفي عن المرأة اشتغالها الوطنيّ أو الإنسانيّ، بيد أنّ الخطاب الشعبويّ - في شقه الأول - هيمن على كتابتها، وقد نستشهد في هذا الصدد بمثال إشكاليّ وغريب في استقرائه، ذلك أنّ إنجاز الـ : د . نوال السعداوي قد يصبّ في هذا الاتجاه، على ما تدعوه كتابتها الرصينة من احترام، إذ قادها التحزّب للمرأة في كتابتها إلى التطرف ، التطرف غير البعيد عن الرغبويّ!

   نحن لن ننكر إنجاز المرأة في وجهه المشرق على قلته ، ولكن أليس الحاضن لهذا الإنجاز منظومة ذهنية ذكوريّة تحوّلت إلى مظلة قيميّة تمتح الكثير من مشروعيتها من الدينيّ غبّ أن أوقف باب الاجتهاد، ومن الاجتماعيّ المحتكم إلى تقاليد موغلة في القدم!؟ على هذا فإنّ مسيرة مجهدة وطويلة تنتظر المرأة على طريق إنجاز خطاب يُعبّر عنها كأنثى وكمواطنة وكإنسان، خطاب يقف بتراجع دورها بدءاً بالعصر النيوليتي، الذي حجب الألهة المؤنثة عن مجمع الآلهة، في إشارة واضحة لحسم صراع طويل بين الأنثى الأم والرجل لمصلحة الأخير في مجتمعات التفاوت الطبقيّ، التي ابتدأ بالثورة الزراعية، مترافقاً باختراع الكتابة،  بشكل مكّنَ الإنسان من التعبير عن نفسه بالتجريد، وأدخله عصور التأريخ، الثورة الزراعيّة التي أسست للتفاوت الطبقيّ، مع ما استتبع تردّياً اقتصادياً في دور المرأة، استتبع بتردّ اجتماعيّ أوقفها خلف الحجاب دينياً، وأسيرة المنزل اجتصادياً، وتردّ سياسيّ عكس نفسه بلغة الأرقام في خانة التواضع على مستوى التمثيل أو الانشغال بالشأن العام ، فتردّ ثقافيّ بالضرورة، لا في الدفاع عن حقوقها فحسب، بل في الاشتغال على مجتمع بشريّ مؤنسن وعادل اجتماعياً، بعد أن تضاءلت آمالنا في التعويل على الإشتراكيّة واقعياً، لا سيما إن تذكّرنا رفضنا لفكرة نهاية التأريخ عند الرأسماليّة، كما جاء عليها فرنسيس فوكويوما، إنّنا إزاء منظومة ذهنيّة ترسخت على مستويات التعبير الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية منذ ما يقارب الأربعة عشرة ألف سنة، ولكم من قال بأنّ نضال البشر في سبيل حياة أفضل يتوقف عند حدّ؟!

   وبعد! هي أسئلة ممرضة ومرمضة تطرح فواتاً مُؤلماً على بساط البحث والنقاشّ ، بيد أنّها لن تذهب إلى إمساكها بناصية الحقيقة ، فتقع في إقصائيّة أنكرتها على الآخرين، فقط حوار هادىء - ربّما - ومُتأمّل ينجزه الكلّ الاجتماعيّ قد يُقدّم أجوبة مُرضية على مُعضلة كهذه في تمفصلها مع الاجتصاديّ والثقافيّ بل وحتى السياسيّ، ما قد يقتضي التنويه!
                                                                     
محمد باقي محمد قاص وروائي وناقد سوري