Ibn Rushd Fund for Freedom of Thought

دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية بقلم محمد جلوب الفرحان

تقديم:
    حمل كتاب نيتشه "ما بعد الخير والشر"  مشروعه للثورة على الفلسفة في تاريخها الأوربي العتيد. فمثلاً ثار على إفلاطون وفكره الفلسفي العقيدي المنغلق المنحاز. وثار على كانط وسخر من إختراعه لملكة الحكم الخاصة بالقضية الأولية التركيبية. وثورته شملت شوبنهور والقائمة طويلة. ونحسب في ثورة نيتشه على تاريخ الفلسفة الأوربية، قد دشن أرضاً بكراً للحركة النسوية (الفمنست) عامة والأكاديمية على وجه الخصوص في عموم العالم الغربي في القرن العشرين (محمد جلوب الفرحان؛ ثورة الفلسفة، مشروع نيتشه في كتابه ما بعد الخير والشر، معد للنشر).
   وكان الحاصل من عمل نيتشه، إن نشطت الحركة الفمنستية تعمل بكل جد على نقد تاريخ الفلسفة وإتهامه "بأنه تاريخ فيه تمييز في الجندر (أنا رجل وأنت إمرأة) وإنحياز لصالح الذكور وتسفيل لعمل النساء  في طرفيه الذهني واليدوي، وإنه تاريخ كتبه فلاسفة رجال أو هو في التقويم العام، تاريخ فلسفة ذكورية".

   وحقيقة أن هذه الموجة الفلسفية النسوية العارمة  تشكل اليوم الإتجاهات الفلسفية الأكثر معاصرة في أقسام الفلسفة في جامعات أمريكيا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) . والباحث شاهد أكاديمي على نتائج الثورة النيتشوية على تاريخ الفلسفة في مضمار الدراسات الفمنستية . يقول نيتشه في كتابه مابعد الخيروالشر " أن تاريخ الفلسفة يكشف لنا عن فشل الفلاسفة في فهم طبيعة المرأة .... " . ومن ثم دعا إلى قيام جيل جديد من الفلاسفة أطلق عليهم إصطلاح "فلاسفة الحاضر" و "فلاسفة المستقبل".

   من مشروعات الباحث القادمة، الكتابة عن تاريخ الفلسفة الغربية من زاوية فمنستية (نسوية) . حقيقة إن تاريخ الفلسفة الغربية عرف قائمة طويلة من الأسماء النسوية التي عملت في مضمار البحث الفلسفي مثل هبيشا الأسكندرانية (415 – 370م) التي قتلت بيد الرعاع الذين مزقوا جسدها إرباً إربا، بعد سحلها في شوارع المدينة، وحرقها وهي حية إلى إن سلمت الروح لباريها الواحد القهار.

   وهكذا إنطمرت أسماء القتلة وطواها النسيان، ولكن ظل إسم هبيشا رمزا خالداً وشهيدة تحتفل بها الأجيال وتذكرهم  بجريمة الرعاع الذين يقودهم ويوجههم رجل دين دعي ومسيح دجال (يخفي تحت جبته خنزير شهوة تقوده إلى ذبح مبادئ دينه، في كل لحظة ينفرد فيها مع صبي أو صبية أو زوجة عفيفة إعتقدت خطاً إن في الإمام عون قريب وفرج سريع لمحنتها، فكان حلمها كابوساً لا تتحمل آلامه الأرض والسماء، بعد إن صعقت بمساومة الإمام على عفتها مقابل تيسير معاش لأيتامها وتدبيرحياتها اليومية بمساعدات الطيبين الأبرار) هذا ما قاله الزرادشت الصغيرفي رسالته المرسلة مع دعيه الأعور الدجال إلى أهالي شعسان الذين لا يعرفون ما يدور ويخطط لفتك عفة بناتهم في مذابح بيوت الظلام.
   ولدى الباحث قائمة تضم أكثر من مئة فيلسوفة، ينتمين إلى مراحل مختلفة من تاريخ الفلسفة الغربية . والحق إن مدوني وكتاب تاريخ الفلسفة الغربية قد همشوا بقصد تاريخ ودور هذا العدد الكبير من الفيلسوفات الناشطات . على كل هذا هو جزء من مشروع الكتابة عن الفلسفة الفمنستية (النسوية) الذي ننشغل بالكتابة فيه بعض الأحيان ونتمنى أن يجد النور قريباً.

الفصل الأول
حضور الفيلسوفات
في تاريخ الفلسفة الهيلينية والهيلينستية

   سجل تاريخ الفلسفة اليونانية ومنذ بواكيره الأولى، حضوراً ملحوظاً لعدد من الفيلسوفات الناشطات في مضمار التأمل والعمل الفلسفيين . ورغم فعل التغييب المقصود لأسماء الفيلسوفات من قبل عدد من المؤرخين الرجال، الذين كتبوا عن تاريخ الفلسفة اليونانية في عصورها الأولى، فقد تسربت معلومات قليلة عن قائمة تضم عدداً من أسماء الفيلسوفات، ونتفاً من المعلومات عن حياتهن ونشاطاتهن الفلسفية . ولما كانت هذه المعلومات قد كتبت من وجهة نظر رجولية، فمن الطبيعي أن يجد القارئ في لغة المؤرخ تحاملاً سلبياً لعمل المرأة في النشاط الفلسفي . كما ويلحظ في المعلومات التي ذكرها المؤرخون الرجال، فيها حط وتسفيل لمكانة الفيلسوفة من الناحيتين الإجتماعية والأخلاقية.

  وضمت القائمة التي يعالجها هذا الفصل، أسماء فيلسوفات من أمثال : فيلسوفة اليونان الأولى " أرستوكلي "، والفيلسوفة " إسبيشيا الملطية "، والفيلسوفة القورينائية "أريتا"، والفيلسوفة الكلبية " هبريشا الماروني "، والفيلسوفة الأبيقورية " لونتن "، وكانت وقفة الفصل الأخيرة، في حضرة شهيدة الفلسفة الأولى " هبيشا الإسكندرانية " التي كانت رمزاً نسوياً متفرداً في قيادة الإفلاطونية المحدثة في عصرها.
     

فيلسوفة اليونان الأولى "أرستوكلي":

   مثلما هيمن طاليس كأول فيلسوف رجل، على كتابات المؤرخين في الفلسفة اليونانية قبل سقراط . فأن أرستوكلي كانت أول فيلسوفة متفردة في بدايات بواكير الفلسفة اليونانية قبل سقراط . ولكن مع فارق صارخ لصالح طاليس، وتجاهل رجولي مقصود تجاه أول أمرأة فيلسوفة، رهنت حياتها للتأمل والعمل في مضمار البحث الفلسفي.
  لاحظ الباحث حقاً أن المرأة الفيلسوفة، قد سجلت حضوراً متقدماً في بدايات تاريخ الفلسفة اليونانية قبل سقراط . فمثلاً كانت الفيلسوفة أرستوكلي معلمة للفيلسوف والرياضي اليوناني فيثاغوراس (500 – 580 ق.م) . وأرستوكلي كانت كاهنة معبد دلفي الشهير، وقد إزدهرت في القرن السادس قبل الميلاد.

   وإعتماداً على شهادة الفيلسوف فرفريوس الصوري (اللبناني) (306 – 233) وهو تلميذ إفلوطين (270 – 204) التي إرتبطت بإسمه " المدرسة الإفلاطونية الجديدة " (محمد جلوب الفرحان ؛ أثر فرفريوس الصوري على ثقافة إبن حزم الأندلسي، مجلة الأجيال (أكاديمية محكمة)، بغداد 1986). فقد ذكر فرفريوس الصوري: " إن فيثاغوراس قد زعم إنه تعلم على يد أرستوكلي في معبد دلفي " . ووفقاً لعدد من الكتاب، إن أرستوكلي" قد تركت أثاراً قوية على مبادئ فيثاغوراس الأخلاقية".

   وإزدهرت أرستوكلي في القرن السادس قبل الميلاد . ونحسب على اساس هذه الشهادة إنها كانت معاصرة لأول فيلسوف عرفته الفلسفة اليونانية، ونعني بذلك الفيلسوف طاليس (624 – 547 ق.م)، الذي يذكرمؤرخو الفلسفة إنه كان معلماً لفيثاغوراس كذلك (محمد جلوب الفرحان؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني، بغداد 1983، ص 16) . وإذا كان طاليس أول فيلسوفاً، فإن أرستوكلي كانت أول فيلسوفة في تاريخ الفلسفة اليونانية قبل سقراط. ونرى إنه بتأثير أرستوكلي المعلمة والمدرسة الأورفية، قد فتح فيثاغوراس أبواب مدرسته للنساء (والرجال) على حد سواء.

مكانة الفيلسوفة "إسبيشيا الملطية":

  وعلى الرغم من حالة التغييب المقصود للجهد النسوي في مضمار الفلسفة وأبحاثها، من قبل مؤرخي الفلسفة عامة والفلسفة اليونانية خاصة، فإن تاريخ الفلسفة اليونانية قبل سقراط، يحتفل بأسماء نساء فيلسوفات كان لهن شأن في مباحث الفلسفة، منهن الفيلسوفة إسبيشيا الملطية (400 – 470 ق.م) وهي بنت "أكسوش" الذي ينتمي إلى عائلة "الكبياديس "اليونانية الشهيرة. ويقال إن بريكلس تعرف عليها أثناء إحدى زياراته لهذه العائلة . والحقيقة إن المصادر التاريخية ظنينة علينا، فلم يتوافر فيها اليوم سوى الشئ القليل عن حياتها وعن أسرتها.  والمصادر تكاد أن تكون مجمعة على الدور الناشط الذي لعبته إسبيشيا في حياة  بريكليس (429 – 495 ق.م) السياسي الأثيني ورجل الدولة والقائد العام للجيش الأثيني.

    ولدت إسبيشيا في مدينة ملطيا من مقاطعة أيونيا . ولكونها من عائلة ثرية، فقد توفرت لها فرص تعليمية عالية . وليست هناك معلومات متوافرة لدى الباحثين، تفسر لنا سبب رحلتها إلى أثينا، وخصوصاً بعد إن "أصبحت إمرأة ناضجة ". غير إن الكتابات التاريخية تذكر إلى : "إنها صرفت معظم سنوات حياتها في اثينا " . كما ورد ذكرها عند الفيلسوف إفلاطون (348 – 428 ق.م) والكاتب المسرحي اليوناني أرسطوفان (380 – 446 ق.م) والمؤرخ اليوناني أكسونوفان (354 – 430 ق.م) وآخرون.

  ونسج المؤرخون بعض القصص حول حياة إسبيشيا وذلك للحط من مقامها دون إعتبار للظروف الحضارية لليونان يومذاك، وخصوصاً الطبقة الإرستقراطية وإسلوب حياتها. فمثلاً أشاروا إلى إن إسبيشيا كانت " بائعة هوى ومتعة " وإنها كانت " تدير ماخوراً" . والحقيقة إن هذه القصص خضعت إلى ميزان التساؤل و معيارالبحث النقدي من قبل عدد من الباحثين الأكاديميين، والذين توصلوا بعد كد بحثي متواصل إلى إن إسبيشيا كانت " صاحبة بريكليس " أو ربما كانت " زوجة بريكليس" . وفعلاً كان لها ولداً من بريكليس يدعى "بريكليس الصغير"، والذي أصبح فيما بعد قائداً عسكرياً في الجيش الأثيني، والذي أعدم أثناء الحرب الأثينية الإسبارطية.

    يحسب مؤرخو اليونان إن إسبيشيا أصبحت صاحبة بريكليس في السنوات الأولى من أربعينيات القرن الخامس قبل الميلاد، وذلك " بعد إن طلق زوجته الأولى في العام 445، ومن ثم بدأت إسبيشيا تعيش معه. رغم إن وضعها كان موضع تساؤل". كما يرجح المؤرخون "إن ولادة ولدها بريكليس الصغير، كانت عام 440 وحينها كانت شابة تماماً. ويرون إنها فعلا قد حملت في العام 428 وأنجبت طفلاً آخراً من صاحبها الجديد ليسكلر القائد الديمقراطي، الذي خلف بريكليس بعد موته في العام 429 ق.م بسبب الطاعون الذي ضرب أثينا" . ويرجحون إن موتها كان قبل موت سقراط بسنة واحدة على الأقل أي في العام 400، ومن الثابت إن موت سقراط كان عام 99 .

   إن حياة إسبيشيا في أثينا كانت موضوع جدل بين الكتاب من القدماء والمحدثين، وخصوصاً أقوالهم حول كونها  "بائعة هوى" و "صاحبة ماخور" . وإذا قبلنا ذلك منهم، فإن هذا النمط من النساء كن ينتمين إلى طبقة مثقفة عالية، كما ولعبن دوراً مهماً في تطوير الذوق الجمالي في المجتمع الأثيني، إضافة إلى كونهن شكلن نماذج نسائية مستقلة لعبن دوراً مشهوداً في الحياة والرأي العام الأثيني، وكانت لهن مساهمة في النمو الإقتصادي للمجتمع وذلك من خلال دفعهن للضرائب. وهنا نستشهد بإفادة للمؤرخ اليوناني بلوتارك (120 – 46 م) الذي قارن بين إسبيشيا وثاركيلا (وهي إنموذج نسائي متقدم على إسبيشيا وجاءت من أيونيا كذلك)، فقال : "إن إسبيشيا هي تجديد لصورة ثاركيلا في العصور القديمة" . والحقيقة إن ثركيلا الأيونية دشنت درباً جديداً في عمل النساء مع الرموز السياسية ورجال السلطة يومذاك . إن ما فعلته ثركيلا حسب بلوتارك مع الملك الفارسي، ومن ثم تحولها إلى أداة دعاية للسياسة الفارسية (فترة إحتلال أجزاء من الأراضي اليونانية)، فعلته إسبيشيا الأيونية مع بريكليس كذلك.
  وكان ينظر في المجالس الإجتماعية، إلى إسبيشيا على كونها إنموذجاً نسوياً فذاً، يمتلك من الأساليب العالية في الحوار والنصح، أكثر من كونها موضوعاً يجسد الجمال الحسي . وإعتماداً على المؤرخ بلوتارك : " كان بيت إسبيشيا وبريكليس مركزاً فكرياً في قلب أثينيا، والذي جذب أغلب كتاب العصر والمفكرين إليه، وكان من ضمنهم الفيلسوف سقراط " . وأضاف كتاب السير الذاتية إلى إنه على الرغم من حياة إسبيشيا المثيرة للجدل في طرفها الأخلاقي، فإن الرجال الأثينيين كانوا يجلبون نساءهم معهم للإستماع إلى أحاديثها.

  سجلت إسبيشيا حضوراً في نصوص فلسفية مهمة، منها المحاورات التي كتبها الفيلسوف إفلاطون . وقد أشار بعض الباحثين الأكاديميين الذين أعتنوا بفكر إفلاطون، إلى أنه كان معجباً بفطنة أسبيشيا وذكاءها، وعلى أساس سماتها شكل شخصية دايوتيما في محاورته المعنونة سيمبوزيوم (الإجتماع). فمثلاً لاحظ البروفسور شارلز كان (إستاذ الفلسفة في جامعة بنسلفنيا)" إن دايوتيما من عدة زوايا، هي إستجابة إفلاطون لشخصية إسبيشيا" (شارلز كان ؛ إفلاطون والحوار السقراطي (بالإنكليزية) نشرة مطبعة جامعة كيمبردج، 1997، ص ص 26 -27).

  وفي محاورة مينكسنس (وهي من محاورات الكهولة وتأتي بعد محاورة جورجياس) سخر إفلاطون من علاقة إسبيشيا ببريكليس (أنظر: ألن بوردن ؛ مفهوم المرأة : الثورة الأرسطية من 750 ق.م إلى 1250م (بالإنكليزية)، دارنشر أردمان، 1997، ص ص 29 – 30). وأقتبس من سقراط  دعوته التي لا تخلو من سخرية، والتي تذهب إلى " إن إسبيشيا كانت معلمة لكثير من الخطباء" . إن قصد سقراط كان بيان درجة طموح بركليس في أن يكون خطيباً شهيراً، وهي الدعوة ذاتها التي تؤكد على أن رجال الدولة الأثينيين تعلموا من إسبيشيا. وإستناداً إلى ذلك كانت مكانة بريكليس عالية في الخطابة، تتجاوز مكانة الآخرين الذين تعلموا من أنطفيون السفسطائي (عاش في العقدين الأخيرين من القرن الخامس قبل الميلاد) (إفلاطون ؛ محاورة مينكسنس (بالإنكليزية) ترجمة ب . جوت، مطبعة جامعة أكسفورد 1892، 226a).

  كما نسب إفلاطون حسب ساره مانسون، كتابة خطبة العزاء أثناء دفن بركليس إلى إسبيشيا، وهاجم معاصريه الذين يبجلون بريكليس (ساره مانسون ؛ معارضة إفلاطون لتبجيل بيريكلس، دار نشر هاكت 2002، ص ص 182 – 186). أما الأستاذ كان فيرى إن إفلاطون أخذ من سيكنس (314 -389 ق.م وهو رجل دولة أثيني وخطيب عالي الفصاحة) العبارة التي تنظر إلى إسبيشيا على إنها معلمة خطابة لكل من بريكليس وسقراط (شارلز كان ؛ المصدر السابق).

 ويحسب روثل كينث إن إسبيشيا إفلاطون وليسسترتا أرسطوفان (380 – 448 ق.م) (وليسسترتا هي مسرحية كوميدية مثلت في أثينا عام 411 ق.م، وهي تكشف عن دور النساء في إنهاء الحرب البولبونزية وإرغام الرجال على مناقشة قضية السلام)، هما حالتان إستثنائيتان في المجتمع الأثيني. وإن القاعدة السائدة هي إن النساء لا يمتلكن القابلية على الخطابة. وإن هذه السمات الروائية عن إسبيشيا وليسسترتا لا تخبرنا شيئاً حول مكانة المرأة في المجتمع الأثيني (روثل كينث ؛ مشكلات نقدية : السياسة والإقناع عند أرسطوفان، بريل للناشرين الجامعيين 1990، 22).

  أما أكسنوفان فقد ذكر إسبيشيا مرتين في كتاباته السقراطية المعنونة: مموربيلا وأكونوميكس. والأولى هي مجموعة الحوارات السقراطية التي كتبها أكسنوفان، وهي من أطول كتاباته والأكثر شهرة ومن المحتمل إنه أكملها في العام 371 . وهي تقدم دفاع سقراط في المحكمة من وجهة نظر إكسنوفان، وهي بالتأكيد تختلف عن حوار إفلاطون وحوار سقراط الأصليين. (أكسنوفان ؛ مموربيلا، (بالإنكليزية) ترجمة أمي بونتي، تقديم كريستفور برول، مطبعة جامعة كورنل 1994)

  والثانية هي حوار سقراطي يدور حول إدارة البيت والزراعة، وهو واحد من الأعمال اليونانية المبكرة في الإقتصاد المنزلي ومصدر مهم للتاريخ الإجتماعي والفكري لأثينا . إضافة إلى إنه يتناول خصائص الرجل والمرأة وطبيعة العلاقات بينهما . ويميل الدارسون إلى الإعتقاد بأن أكسنوفان كتبه بعد عام 362 . وقام شيشرون (43 – 106 ق.م) بترجمته إلى اللاتينية، كما ذاعت سمعته في عصر النهضة (الرينسانس) والذي ظهر في ترجمات عديدة (ستراوس ليو ؛ أكسنوفان والخطاب السقراطي: تفسير أكونوميكس، (بالإنكليزية) مطبعة جامعة كرونل 1970).

  وذكر أكسنوفان في كل من مموربيلا وأكونوميكس نصيحة إسبيشيا التي طلب سقراط من كريتوبولس أن يأخذ بها. وفي المموربيلا نلحظ سقراط يقتبس من إسبيشيا أقوالها حول " عمل الخاطبة" والتي تؤكد على " أن تقول بصدق ما هي الخصائص الجيدة  للرجل" (مموربيلا 6 .2). أما في أكونوميكس فإن سقراط يعترف بسلطة إسبيشيا المعرفية في إدارة البيت، والمشاركة الأقتصادية للزوج والزوجة (أكونوميكس 14. 3)




دور الفيلسوفة " أريتا القورينائية":

   والفيلسوفة الثالثة التي نشطت في تاريخ الفلسفة اليونانية، كانت أريتا القورينائية التي عاشت وعملت في القرن الرابع ق.م، وأريتا هي بنت الفيلسوف أرستبس القورينائي (356 – 435 ق.م)، وقورنيا هي مستعمرة يونانية (اليوم هي جزء من ليبيا) . وأرستبس هو مؤسس المدرسة القورينائية للفلسفة، وهو تلميذ سقراط. إلا إنه تبنى وجهة نظر فلسفية مختلفة . فقد" علم إن هدف الحياة هو البحث عن اللذة وذلك من خلال تكييف الظروف لصالح الفرد، مع المحافظة على نوع من السيطرة على حالتي العوز والإزدهار"، ومن بين طلابه كانت إبنته أريتا (ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وأراء الفلاسفة (وهو عشرة كتب)، ترجمة روبرت هيكز إلى الإنكليزية، نشرة المكتبة الكلاسيكية 1925، الكتاب الثاني، 65).

  ويبدو للدارسين إن الفلسفة وبرنامج تعليمها ظل متداولاً داخل أسرة أريتا، تتوارثه من جيل إلى جيل. فمثلاً الفيلسوفة أريتا قد تعلمت الفلسفة على يد والدها الفيلسوف القورينائي أرستبس صاحب مذهب اللذة، والذي تعلم الفلسفة على يد أستاذه سقراط، وأريتا من طرفها علمت الفلسفة لولدها أرستبس الصغير، والذي أطلقت عليه إصطلاح "تلميذ الأم" (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق، 72، 83). كما تشير المصادر التي أعتنت بحياة أريتا، على إنها كانت“ وريثة والدها في قيادة المدرسة القورينائية للفلسفة". في حين هناك من يعتقد إن ولدها "أرستبس الصغير" هو المؤسس الحقيقي للمدرسة القورينائية.

    إن أرستبس وإبنته الفيلسوفة أريتا، كانا أوفياء للفيلسوف سقراط . ففي رسالة أرستبس إلى إبنته أريتا، عهد وفاء من التلميذ ارستبس إلى إستاذه سقراط، ومن الفيلسوفة أريتا إلى أبيها الفيلسوف أرستبس ومن خلاله إلى أستاذه الفيلسوف سقراط، وذلك بتوفير الحياة اللائقة والمحترمة لعائلة الفيلسوف سقراط بعيد إعدامه على يد الديمقراطيين. صحيح جداً إن رسالة أرستبس (تاريخ الرسالة يعود إلى القرن الأول ق.م) كانت تحمل توصيات متنوعة وتكشف عن أبعاد مختلفة منها ما يخص أريتا وولدها، ومنها ما يخص سقراط وعائلته.

   لقد أشارت الرسالة إلى أن أريتا كانت تعيش حياة مترفة في قورينا . فقد جاء فيها  وعلى لسان أرستبس "إنك لازالت تمتلكين ضيعتين، وهما يكفيان ان يوفرا لك حياة كريمة، وهما يقعان في مدينة برنيس (أي بنغازي في ليبيا). وإذا لم يبقى لديك سوى هاتين الضيعتين، فإنهما كافيان في سد حاجتك اليومية، بل وأن تعيشي بمستوى عال". وأقترح عليها بعد وفاته، أن ترحل إلى أثينا وتستقر فيها، وأن تسعى بكل جهد على توفير تعليماً عالياً لولدها" أرستبس الصغير" (إبراهيم مالهرب ؛ الأتباع الكلبيون أو الساخرون: دراسة منشورة 1977، ص 28).

  كما وطلب منها أن تعيش مع "أكسانثبي" زوجة سقراط، ومع ماريوتو ( وفقاً لديوجانس لارتيوس؛ المصدر السابق، 26) . وكذلك سألها أن تنظر إلى لمبروكلس (وهو إبن سقراط الأكبر من أكسانثبي والذي جلبته معها إلى المحكمة) كطفلاً لها. وأوصاها بتبني بنت خادمهم يوبيس، ومعاملتها كبنت حرة. وألح عليها بالعناية بالصغير أرستبس لأنه الوريث الحقيقي للعائلة وللفلسفة. وحسب إفادة أرستبس الجد "هذا هو الميراث الحقيقي الذي أتركه، وسيكون له في قورنيا اتباع وأعداء" (إبراهيم مالهرب؛ المصدر السابق، ص ص 282 – 285) .

   وأخيراً فقد زعم الأب جون أوغسطين زاهام (1921 – 1851 م) والذي كان يستخدم إسماً مستعاراً في الكتابة، وهو "موزانز"، إن واحداً من الأكاديميين في القرن الرابع عشر، وهو“ جيوفاني باكشو" (1375 – 1313) والمعروف بنزعته الإنسانية في عصر النهضة (وقد وجد الباحث لجيوفاني كتاباً بعنوان " مشاهير النساء" والذي ترجمته وصححته فرجينا براون، ونشرته مطبعة جامعة هارفارد 2001)، وقد حصل جيوفاني حسب موزانز على معلومات تخص "أوائل الكتاب اليونانيين“ والتي مكنته من تقييم مكانة الفيلسوفة أريتا، فقال:

   قيل إن أريتا كانت معلمة للفلسفة الطبيعية والأخلاقية في مدارس وجامعات أثيكا (أي اليونان) وإستمرت في التعليم لمدة خمس وأربعين سنة، وكتبت أربعين كتاباً، وكان من بين طلابها مئة وعشرة فيلسوفاً. وكانت محترمة من قبل رجال بلدها، حتى إنهم نقشوا على قبرها عبارة تشريف تقول:

  إنها كانت تجسد عظمة اليونان، وتمتلك جمال هيلين، وفضائل ثريما، وقلم أرستبس، وروح سقراط ولسان هوميروس (موزانز ؛ النساء العالمات، نيويورك 1913، ص 197 وما بعد).

الفيلسوفة الكلبية“هبريشا الماروني":

   أما الفيلسوفة اليونانية الرابعة، فهي هبريشا الماروني (280 – 350 ق.م)، وهي تنتمي إلى المدرسة الفلسفية الكلبية. وهي زوجة كريتس الطيبي ( طيبة المصرية) (285 – 365 ق.م)، والذي كان بدوره فيلسوفاً كلبياً، تزوجته هبريشا رغم رفض والديها وكان كريتس يطلق على زواجهما "كلبين رفيقين"، وعاشوا حالة الفقر إختياراً بعد أن تبرع بكل أمواله، وسكنوا شوارع أثينا . (وكريتس هو معلم الفيلسوف الرواقي زينون الأكتومي (262 – 334 ق.م) مؤسس المدرسة الفلسفية الرواقية) (أنظر: تاريخ كيمبردج للفلسفة الهيلنستية، كيمبردج 1999، ص 52) .

  ولدت هبريشا في العام 350 قبل الميلاد في مارونيا – تراقيا (اليونان) . ولكن عائلتها رحلت وإستقرت في اثينا . وقد سبقها أخيها ميتروكلس إلى مضمار الفلسفة عامة وإلى دار الفلسفة الكلبية خاصة، فقد درس في الليسيوم (أكاديمية أرسطو)، وتحت إشراف ثيوفراستس (267 – 371 ق.م) خليفة أرسطو في قيادة الليسيوم . ومن ثم أصبح تلميذاً للفيلسوف الكلبي كريتيوس الطيبي بحدود العام 325 ق.م (ديوجانس لارتيوس؛ المصدر السابق، الكتاب السادس، ص 96) .

   والمهم هو إن هبريشا كانت سعيدة بزواجها من كريتس وتبنيها إسلوب الحياة الكلبية . ولذلك أرتدت ملابس الرجال حالها حال زوجها، وكانت متساوية معه في كل شئ، مما سبب هذا الحال صدمة للمجتمع الأثيني. وتذكر المصادر بأنها ولدت طفلين من كريتس : ولد وبنت . ولا تتوافر لدينا معلومات عن سنة وفاتها . وهنالك عبارة نقشت على قبرها تقول:

أنا هبريشا لم أختار دور المرأة الغنية بملابسها، بل أخترت الحياة الكلبية
لايسعدني إرتداء الثوب المرصع، والحذاء المكسو بالفراء، وغطاء الرأس المعطر
 ولكن يرضيني حقيبة للزاد، وغطاء رأس بسيط وفراش الأرض الصلبة
إسمي سيكون أكبر من أتلنتا (بنت هادس في الأسطورة اليونانية) :
 وإن هدفي الحكمة التي هي أفضل لدي من صعود الجبال ( كتاب مجموع يوناني، ترجمة ويليم بانوت، نشرة أرثر وي 1918، 413) .

  وفي الحديث عن مكانتها في الفلسفة، ينسب الباحثون إلى القاموس أو الموسوعة البيزنطية (القرن العاشر الميلادي) والتي يعتقد إن مؤلفها (سوديس)، القول إن هبريشا كتبت العديد من المقالات والرسائل التي خاطبت بها القورينائي ثيودورس الملحد (250 – 340 ق.م)، وضاعت معظمها. وظلت بعض العبارات الشارحة منها:

  عندما ذهبت إلى الإجتماع مع كريتس، قمت بإختبار ثيودورس الملحد وذلك بإفتراض الصوفية. وإذا أفترضت إن ثيدورس عمل ذلك . ثيدورس لم يقل إنه عمل خطأً، ولا هبريشا يقال إنها عملت خطأ . ثيدورس ضرب نفسه وقال : لم تعمل خطأ، ولا هبريشا عملت خطأ بضرب ثيدورس. وهو لم يستجيب لما قالته، ولكن سحب رداءها. وقد تم إخبارنا: إنها لم تعتبر ذلك إعتداءً أو شعرت بالعار مثلما يحدث لمعظم النساء (أنظر: حول سوديس: هبريشا، الموسوعة البريطانية، الطبعة الحادية عشر، مطبعة جامعة كيمبردج 1911)

  واخيراً تساءل ثيدورس: من هي المرأة التي تركت غزلها ومغزلها ؟ قالت هبريشا: أنا ثيدورس، هو ذلك الشخص المقصود . ولكن هل ظهر لك : بأني عملت قراراً خاطئاً . انا ركزت ذلك الوقت للفلسفة، فهل بطريقة أخرى، أصرف وقتي في الغزل .

  ونعرف بأن كريتس درس زينون الأكتومي . ولكن من الصعب القول إن هبريشا قد تركت اثراً على زينون ومن خلاله على تطور الرواقية . ولكن نعرف كذلك بأن زينون صاحب وجهات نظر متطرفة في الحب والجنس . وهناك من يرى بإنه من هذا الطرف ظهر أثر هبريشا على زينون، والذي جاء من خلال العلاقة بين هبريشا وكريتس (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق، الكتاب السادس، 98) .

الفيلسوفة الأبيقورية "لونتن":

   وجاءت الفيلسوفة اليونانية لونتن (أزدهرت في القرن الرابع قبل الميلاد) لتدشن مرحلة جديدة في تاريخ الفلسفة اليونانية.  ولونتن هي فيلسوفة أبيقورية، تتلمذت على يد الفيلسوف أبيقور (270 – 341 ق.م) وتشربت فلسفته . كانت لونتن صاحبة الفيلسوف الأبيقوري ميتردورس لامبسوكوس (378 – 331 ق. م) والذي كانت عائلته على المذهب الأبيقوري . وميتردورس هو واحد من الممثلين الأربعة الكبار للمدرسة الأبيقورية. وكان يتطلع إلى رئاسة المدرسة بعد أبيقور . إلا إنه توفي قبل أبيقور بسبع سنوات (ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وأراء الفلاسفة، الكتاب العاشر، 22).

  ونحسب أن بعض أراء المؤرخين التي سعت للحط من مقام الفيلسوفة الأبيقورية لونتن والتقول عليها بأنها بائعة هوى، وخصوصاً في علاقتها مع ميتردورس، تندرج في إطار النزعات الماسوجونية (الكارهة للمرأة)، والتي تستهدف في الوقت ذاته إلى النيل من الأبيقورية. وإذا كان هذا الجانب السلبي الذي نشد المؤرخون، الحديث عنه عندما يتحدثون عن لونتن، فإن فيه دلالات إيجابية لصالح الفيلسوفة الأبيقورية، منها إن شخصية لونتن تتمتع بالإستقلالية وهي السمة التي سلبت من معظم نساء عصرها. كما فيها رفض لسيطرة الرجل في عموم المجتمع اليوناني القديم.

  ومن النافع أن نشير إلى إن الأبيقورية قليلاً ما تسامحت من حضور النساء والعبيد في صفوفها . ولكن نجد إن المؤرخ اليوناني ديوجانس لارتيوس قد حفظ لنا نصاً من رسالة أبيقور إلى الفيلسوفة لونتن، مما يؤكد إعترافاً أبيقورياً بمكانتها الفلسفية. ووفقاً لديوجانس فقد حمد أبيقور لونتن وأعلى من منزلتها، و"خصوصاً فيما يخص حججها الجيدة ضد وجهات نظر فلسفية معينة" (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق، 5) .

  ووفقاً لبلني الأكبر (79 – 23 م) وهو مؤلف وفيلسوف طبيعي روماني، إن شخصية لونتن التي رسمها أرستيديس الطيبي، وهو رسام يوناني قديم (عاش في القرن الرابع قبل الميلاد) قد كانت بعنوان : لونتن تفكر بأبيقور (بلني الأكبر: التاريخ الطبيعي، نشرة جون بوستوك، 99. 35) فيها الكثير من دلالات التفوق الفلسفي. ويؤكد على ذلك شيشرون (43 – 106 ق.م) وهو فيلسوف روماني فقد أشار إلى ما ستذكره لاحقاً (بعد ثلاثة قرون) رواية ديوجانس لارتيوس حول نص من رسالة أبيقور إلى لونتن، مع تخصيص أكثر وتسمية الفيلسوف الذي إستهدفته لونتن في حججها. فقال "إن لونتن نشرت حججاً إنتصرت فيها على الفيلسوف ثيوفراستس" (287 – 371 ق.م) (شيشرون ؛ في طبيعة الآلهة (وهو حوار بين شيشرون وخطيب روماني)، طبع جامعة كيمبردج 1885 -1880).

  لقد تعجب بلني الأكبر من موقف لونتن النقدي لثيوفراستس (بلني الأكبر ؛ المصدر السابق، 29). كما وتعجب بوكسيو وتساءل: هل لونتن كانت حقيقة من القوة المعرفية بحيث تمكنت من سحب الفلسفة لصالحها؟ أم إن الفلسفة كانت من الضعف، وإن لونتن إمتلكت قلباً كاشفاً مكنها من فرض هيمنتها على الفلسفة (جيوفاني بوكسيو؛ النساء المشاهير، ترجمة فرجينا براون، طبع جامعة هارفارد 2001، ص ص 125 – 124) .

شهيدة الفلسفة الأولى "الفيلسوفة الإسكندرانية هبيشا":

  ومن ثم تابعت العمل الفلسفي، الفيلسوفة الإسكندرانية هبيشا (415 – 370 او 350 م). وإذا كان فيلسوف الرجال سقراط أول شهيداً، وإن شهادته قد إتخذت مسار التجريم والحكم ومن ثم الإعدام، فكان موت سقراط مهزلة العدالة الديمقراطية في التاريخ اليوناني . فإن الشهيدة هبيشا كانت أول فيلسوفة تقتل بيد الرعاع وبتحريض من قبل رجال دين أتقياء يخافون الله . فكان سحل هبيشا وتقطيع جسدها والتمثيل فيه وهي حية في شوارع الإسكندرية، مسرحية العدالة السماوية التي يتحدث عنها رجال الدين القتلة المارقين .

  لم تتمكن المصادر التي إعتنت بحياة الفيلسوفة هبيشا من تحديد التاريخ الدقيق لولادتها. ولكنها في الوقت ذاته ذهبت إلى "إنها ولدت ما بين سنة 350 م و370 م، وتوفيت في أذار عام 415 م" ( أنظر: ميلر كرينستين وكامبيل ؛ نساء الرياضيات (بالإنكليزية) وهو مجموعة سير ذاتية، نشرة كرين وود، نيويورك 1987) . وقد درست العلوم الرياضية التي كانت تعد مدخلاً ومقدمة لدراسة العلوم الفلسفية، على يد والدها عالم الرياضيات ثيون (405 – 335 م)، وهو باحث يوناني وآخرعالم في الرياضيات أرتبط إسمه بمتحف الإسكندرية (وهو معهد علمي عال تلتحق به مكتبة عامرة يومذاك) (انظر : فريزر ؛ إسكندرية البطلميوسية، 1972، ص ص 219 – 213) . قام بنشر وتعليم كتاب الأصول لإقليدس (ولد عام 300 ق.م) وجداول بطلميوس(168 – 90 م) الفلكية.  

  وبحث الدارسون في معنى الإسم هبيشا ودلالته، فمثلاً رأى كل من هنري جورج وروبرت سكوت، في كتابهما المعنون "القاموس اليوناني الإنكليزي"، إن الإسم هبيشا جاء مشتقاً من الصفة التي تدل على صورة الأنثى، ويعني "الأعلى أو الأسمى". وقد قامت هبيشا برحلات علمية، إستهدفت البحث  والدراسة، إلى كل من أثينا وإيطاليا (أنظر: جانيت بولس وديانا لونك ؛ القاموس التاريخي للحركة النسوية (بالإنكليزية)، ص 166) وقبل أن تصبح رئيسة للمدرسة الإفلاطونية (المحدثة) في الإسكندرية بحدود العام 400 م (أنظر: آثلين فير وكريك باتك ؛ أمهات الإبداع: هبيشا الإسكندرانية (شهيدة العقل النسوي)، 1988، ص ص 24 – 26) .

  وينظر إلى هبيشا إلى أنها أول أمرأة إشتغلت في العلوم الرياضية، كما إنها كانت معلمة للفلسفة وعلم الفلك (أنظر: سو توهي؛ حياة رائعة وموت تراجيدي للفيلسوفة هبيشا (بالإنكليزية)، إنكلترا 2003). وكانت تنتمي إلى تقاليد التعليم الرياضي لأكاديمية أثينا والذي يمثله إيدوكس كندوس (355 – 410 ق.م) وهو عالم رياضيات وفلك وتلميذ إفلاطون (أنظر: هبيشا الإسكندرانية، الفيلسوفة الشهيدة (حديث) الإذاعة البريطانية، 4  نيسان 2009).  

   ذكرنا قبل قليل إن هبيشا فيلسوفة إفلاطونية محدثة، والإفلاطونية المحدثة هي مدرسة أسسها أمونياس ساكس (القرن الثالث الميلادي) وهو أستاذ إفلوطين (270 – 205م)، ودرس لمدة إحدى عشر سنة " وبالتحديد من 232 إلى 243 . إلا إن المؤسس الحقيقي هو إفلوطين (ومن المفيد أن أشير هنا إلى إن العقل العربي كان له حضوراً في الإفلاطونية المحدثة، ممثلاً بتلميذ إفلوطين العربي: زيثوز الذي عاش في القرن الثالث الميلادي) . والإفلاطونية المحدثة في أسسها تضم تعاليم إفلاطون ممزوجة بفلسفة أرسطو والفيثاغورية والرواقية وفكر ديني (أنظر: أرمسترونك ؛ تاريخ كيمبردج للفلسفة اليونانية في عصورها المتأخرة وبواكير العصور الوسطى، مطبعة جامعة كيمبردج 1967، ص ص 196 -200).

  ويرى المؤرخ سقراط الإسطنبولي (ولد عام 380م) في كتابه التاريخي الذي يغطي الفترة الواقعة بين عام 305 إلى عام 439م (والذي كتبه في حدود 450 م)، إن الفيلسوفة هبيشا قد بزت جميع فلاسفة عصرها، ونجحت في قيادة مدرسة (إفلاطون إفلوطين) (والأصح قيادة مدرسة إفلوطين أو الإفلاطونية المحدثة) وكان برنامجها الفلسفي يركز في طرف منه على تشجيع الدراسات المنطقية والرياضية.

  وكانت هبيشا وفقاً للإنسكلوبيديا البيزنطية التي تعرف "سودا" معلمة للفلسفة، وتدرس كتابات إفلاطون وأرسطو (322 – 384 ق.م) . وهنالك من يعتقد إن من بين طلابها مسيحين وأجانب رحلوا إليها من أصقاع بعيدة . كما إن هنالك من يعتقد "إن هبيشا كانت "وثنية" على الرغم من إن جميع المصادر التي كتبت عنها لا تتوافر لديها أية وثيقة تؤكد حقيقة دينها والطقوس التي تمارسها .

   وأحسب إن المسألة لا تحل بتوافر وثيقة تاريخية تخبرنا عن دينها . إن الحقيقة التي لا جدال حولها، هي إن الفيلسوف له مفهومه الخاص للدين والإعتقاد حتى وإن كان يناصر دين معين (وهذا يشمل جميع الفلاسفة مما يطلق عليهم إصطلاح وثنيين، يهود ومسيحيين ومسلمين بلا إستثناء)، فأن مفهومه للدين لا علاقة له بمفهوم القطيع على حد تعبير نيتشه، ودياناتهم وعباداتهم وطقوسهم  . وهذا حال هبيشا وكل الفلاسفة . لكن المهم أن نذكر بأن هبيشا كانت محترمة من قبل عدد من المسيحين واليهود خاصة والذين كان لهم حضوراً في داخل بنية الإفلاطونية المحدثة التي تقودها هبيشا، كما أن عدداً من الكتاب المسيحين في فترة لاحقة، قد نظروا إلى هبيشا "كرمز للفضيلة"، ومثالاً على ذلك ما كتبه المؤرخ سقراط الإسطنبولي .

 وجادل الباحثون الرأي المتناقض الذي إنفردت به "سودا" الموسوعة البيزنطية، وذلك عندما أعلنت "إن هبيشا كانت زوجة الفيلسوف إيسدور، ومن ثم أشارت إلى إنها بقيت عذراء“ . وإيسدور (عاش في أثينا والإسكندرية في نهايات القرن الخامس الميلادي)، وهو فيلسوف إفلاطوني محدث وتلميذ برقلس (412 – 484 م) وهو أخر رمز كبير من رموز الإفلاطونية المحدثة . والحقيقة إن هبيشا كانت فيلسوفة عازفة عن الزواج واللذات المادية ومنصرفة تماماً للفلسفة والرياضيات والفلك . ولعل المثال التي تذكره الموسوعة "سودا" وكذلك أغلب المصادر التي تعرضت لسيرتها الذاتية، تشير إلى إن أحد طلابها أحبها وتقدم لخطبتها، "فجلبت له لفائف دورتها الشهرية ورمتها أمامه، وبينت له إن لا شئ يكون جميلاً فيما يتعلق باللذات المادية".

 ولاحظ الدارسون إن هبيشا ظلت محافظة على مراسلة تلميذها السابق سينسيوس القورينائي (373 -414 م) الذي كان إفلاطونياً محدثاً، ومن ثم دخل الديانة المسيحية وأصبح يعرف في عام 410 برئيس قساوسة بتولميس (طوميثا – ليبيا) ( أنظر: أي . فتزكيرالد ؛ رسائل سينسوس القورينائي (بالإنكليزية)، الرسالة 154 من سينسوس القورينائي إلى هبيشا، لندن 1926) .

   واليوم يحسب الباحثون إن هذه الرسائل ومصادر دمسقس السوري (458 – 538 م) وهو الرمز الأخير مما تبقى من الإفلاطونية المحدثة، كما هو تلميذ إيسدور (زوج هبيشا المزعوم حسب سودا ولدينا شك في ذلك) وكاتب سيرته الذاتية، هي المصادر الوحيدة التي تقدم لنا أوصافاً ومعلومات عن هبيشا بأقلام طلابها .

  أما الأعمال الفلسفية التي كتبتها الفيلسوفة هبيشا، فأنها من وجهة نظر الباحثين تعد عملاً مشتركاً تم إنجازه من قبلها ومن قبل والدها الفيلسوف ثيون الإسكندراني، منها :
أولاً - شرح يتألف من ثلاثة عشر مجلداً لعلم الحساب كتبه ديوفانتوس الإسكندراني  (عاش مابين 200 و214 وإلى 284 او 298 م)  وهو الأب الروحي لعلم الجبر، وهناك من يرى إنه بابلي او كلداني (عراقي) تشرب الثقافة اليونانية (أنظر: سودا الموسوعة البيزنطية، 166وكذلك حياة هبيشا من سودا، ترجمة جيرمايا قيدي، مجلة الكونيات 1993)  

ثانياً – شرح على كتاب أبولونيوس (190 – 262 ق.م وهو عالم في الهندسة وعلم الفلك)  في الأشكال المخروطية (أنظر: المصدر السابق).

ثالثاً – نشرت نسخة معدلة لكتاب بطلميوس الذي سبق أن شرحه والدها ثيون الإسكندراني (أنظر: مريا ديسلسكيا ؛ هبيشا الإسكندرانية، ترجمة أف . لايرا، مطبعة جامعة هارفارد 1995، ص ص 71 – 72) ولهذا الكتاب سمعة عالية في التراث العلمي العربي الإسلامي، والمشهور "بكتاب المجسطي" والذي كانت له سلطة علمية قرابة ألف عاماً، وهو كتاب في علم الفلك ويعرض موديلا هندسيا لحركة الكواكب والنجوم.

رابعاً – صححت ونشرت شرح والدها على كتاب الأصول لإقليدس (أنظر: حياة هبيشا من سودا) . وأقليدس هو واحد من علماء الرياضيات في مدرسة الإسكندرية، وان كتاب الأصول يتألف من ثلاثة عشر جزءً، وان المطالع لهذه الأجزاء يستنتج بأن كتابة هذه الأجزاء قد أتم كتابتها أكثر من مؤلف واحد (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس، مجلة أدآب الرافدين، كلية الآداب – جامعة الموصل 1978، ص 141 ومابعد) .

خامساً – وكتبت نص مؤلف بعنوان : القانون الفلكي (أنظر: حياة هبيشا من سودا)
  كما ولها إسهامات في العلم تشمل دراسة الأجسام السماوية، وإختراع أداة لقياس الرطوبة . كما إن تلميذها سينسوس رئيس القساوسة سابق الذكر، قد كتب رسالة دافع عنها كمخترعة لألة الأسطرلاب . كما أن والدها قد أكتسب سمعة في رسالته التي بحثت في موضوع الأسطرلاب أيضاً (أنظر: سو توهي ؛ المصدر السابق، وكذلك : أثيليا فير وكرك باتك ؛ المصدر السابق ) .

  إن موت الفيلسوفة هبيشا بعد هذه الحياة العلمية المتفردة، وأثناء قيادتها للمدرسة الإفلاطونية المحدثة، وإنتشار تعاليمها الفلسفية وتهافت الطلبة على محاضراتها من مسيحيين وغير مسيحيين، من أبناء الوطن ومن الأجانب، سبب حالة تصادم بين كيانين نفسيين: كيان كونته الفلسفة عبر تاريخها العتيد وحتى لحظة موت هبيشا وكيان نفسي جديد تتحدث عنه المسيحية وتبشر في إنجازه . وتعارض فكراني بين تكوينات فلسفية متنوعة، أبواب أنظمتها مشرعة للحوار والتجديد . وتكوين عقيدي أحادي مسدودة أبوابه على أي نوع من الحوار. والطريق الوحيد الذي تتطلع إلى فرضه، هو الهيمنة وتصفية الأصوات المعارضة وإسكاتها إلى الأبد .  

  خلق هذا التعارض توتراً دائماً بين الإفلاطونية المحدثة والمكون العقيدي المسيحي ولكن في الحقيقة إن هناك إستثناءات شملت عدداً محسوباً من الإفلاطونيين المحدثين ممن تصالح مع العقيدي المسيحي وأحتل مكانة مرموقة في تاريخ الكنيسة ومنهم طلاب الفيلسوفة هبيشا . ولعل خير شاهد تلميذها والمدافع عنها سينسوس رئيس قساوسة قورينيا .

   ونحسب إن التوتر بين الإفلاطونية المحدثة والعقيدي المسيحي لا يقتصر على عصر هبيشا وإن أخذ شكلاً تراجيدياً دموياً في زمنها، بل يصعد إلى بدايات تأسيس الإفلاطونية المحدثة . فمثلاً يقال إن المؤسس الروحي أمونيوس ساكس قد أعتنق المسيحية التي كانت ديانة والديه، ومن ثم أرتد إلى الوثنية . كما أن إفلوطين المؤسس الحقيقي للإفلاطونية المحدثة  كان متردداً حائراً ولهذا تطلع لدراسة الفلسفتين الفارسية والهندية وذهب في حملة إلى هناك . إلا أن الحملة فشلت ففر بجلده خائباً نحو أثينا يحتفظ على الأكثر بعقيدته الوثنية . ولعل خليفته فرفريوس الصوري وتلميذه وناشر تساعياته يعكس بدرجات ما عقيدة أستاذه، فقد كان  فرفريوس معارضاً للمسيحية ومدافعاً عنيداً عن الوثنية، وألف كتاباً ضد المسيحية، يتألف من خمسة عشر كتاباً ( أنظر: محمد جلوب الفرحان : أثر فرفريوس الصوري على ثقافة إبن حزم المنطقية، مجلة دراسات الأجيال (محكمة)، بغداد 1987)

  وظل هذا التوتر يتخذ أشكالاً متنوعة، تحكمها الظروف صعوداً وهبوطاً . فمثلاً في عصر هبيشا، وبالتحديد عام 389 م، تم إحراق مكتبة الإسكندرية، بأمر من ثيوفيلوس، رئيس قساوسة الإسكندرية . تلى ذلك ملاحقة وإضطهاد جميع أتباع الإفلاطونية المحدثة  . وفي إطار هذا الجو الساخن، أصبحت هبيشا موضوع جدل بسبب مكانتها الفلسفية وسلطة معارفها وكثرة طلابها ومريديها من الداخل والخارج.(أنظر: أثليا فير وكريك باتك ؛ المصدر السابق ) .

  وفي العام 412 م تطورت الظروف المعادية للإفلاطونية المحدثة عامة، والساخطة على هبيشا إلى أقصى درجات حرارتها، وذلك عندما أقسم بابا الإسكندرية سايرل (376 – 444 م والذي أصبح البابا في الإسكندرية للفترة من 412 إلى 444 بعد صراع على كرسي البابوبة وخلافاً لرغبة المجتمعين، حصل على الكرسي وخلف خاله البابا السابق ) على تصفية ما أسماه "بهراطقة الإفلاطونية المحدثة" واليهود وطوائف مسيحية أخرى.

   وأدرك بعض أصدقاء هبيشا خطورة دعوة البابا الجديد على حياة هبيشا لإنها رأس الإفلاطونية المحدثة ورمزها النسوي الذي يحمل له البابا حقداً دفيناً في كل خلاياه، فطلبوا من هبيشا أن تتبرأ من فلسفتها وتعاليمها . إلا إنها رفضت عرض الأصدقاء بشدة، مؤكدة لهم صحة مسارها الفلسفي وسلامة منهجها في الحياة ومتانة المنظومات العلمية التي تعمل على إرساءها لصالح المجتمع والإنسان الإسكندرانيين (المصدر السابق) . في حين كانت قيادة العقيدي المسيحي الجديدة، طائفية تنتصر لذكورية ظالمة على حساب جندر المرأة، وتسعى إلى شق الصف الإسكندراني وذلك بقتل هبيشا وقبر مشروعها الفلسفي الساعي إلى توحيد الإسكندرانيين بمختلف أطيافهم من إفلاطونيين محدثين ويهود ومسيحيين.

 وفي آذار عام 415 م قامت حشود غاضبة من المسيحيين، يقودهم مجموعة من الرهبان المتحمسين للبابا سايرل ( الذي خلف من خاله البابا السابق سياسة تصفية الأخر وإسكاته بالقوة إن كان له رأي مخالف، حتى وإن كان مسيحياً) فقتلوا هبيشا بطريقة تراجيدية، ترفضها كل شرائع السماء والأرض . فقد ذكر أدورد ويتس بأن هذه الحشود المندفعة نحو تنفيذ الجريمة، يحركها دافع واحد، وهو إتهام هبيشا بحالة "الفوضى الدينية التي تعصف في مدينة الإسكندرية" . وفي سنوات لاحقة أتهم البابا سايرل " بتدمير الكنيسة وبفعله المحرك في قتل هبيشا "، وعلى هذا الأساس صدرت قرارات كنسية بتحميله مسؤولية ما حدث (أنظر: مريا ديسليسكا ؛ المصدر السابق، ص 156) . في حين أنبرى أخرون يدافعون عنه وأسقطوا كل تورط له في قتل هبيشا، وشطبوا أي دور له في تمهيد الأجواء التي حرضت الرعاع على قتل إنسانة بريئة وبتحريض منه " وبيد مساعده بيتر القارئ ومجموعة الرهبان الذين ألهبتهم كلماته الداعية إلى تخليص الإسكندرية من أتباع الإفلاطونية المحدثة، نقول أسقطوا التهم عنه وبرؤه من جريمة القتل، ومنحوه لقب قديس" وهكذا أصبحت سايرل بحركة مسرحية " القديس سايرل" .

 ويصور لنا المؤرخون مسيحيون وغيرهم، الجريمة التي أرتكبتها الحشود المؤمنة وبقيادة رهبان مجرمين ومساعد البابا التقي:
 "خلال فصل الصوم الكبير، هجمت الحشود المسيحية الهائجة على هبيشا، وهي في عربتها متوجهة إلى البيت (وممكن أن يكونوا مجموعة من الرهبان ) يقودهم رجلاً إسمه بيتر والذي يعتقد إنه بيتر القارئ، وهو مساعد سايرل. ثم قام الرهبان بتجريد هبيشا من ملابسها، وجروها وهي عارية في شوراع الإسكندرية وحتى الكنيسة الجديدة، وهناك حيث تم قتلها بوحشية . في حين ذكر آخرون بأنها سلخت بحجرة حادة، وقطع جسمها إرباً إرباُ، ومن ثم أحرقت وهي حية . بينما أشار البعض إلى إن كل ذلك حدث بعد موتها". ( أنظر : شهادة سقراط الإسطنبولي، وهو مسيحي ومن معاصري هبيشا . وكذلك : شهادة جون نيكو، وهو قس قبطي مصري، من كتاب القرن السابع، وله كتاب في الحوليات، يبدأ من آدم وينتهي بإحتلال المسلمين لمصر).

 ويرى البعض إن مقتل هبيشا قد حدد نهاية عصر ما يسمى بالكلاسيكيات القديمة (أنظر: كاثلين ويدر ؛ هبيشا، مطبعة جامعة إنديانا 1986، ص ص 48 – 50) . في حين يعتقد آخرون إن "الفلسفة الهيلينستية قد إستمرت مزدهرة حتى عصر جوستنيان في القرن السادس" والذي أغلق المدارس الفلسفية، فرحل الفلاسفة اليونانيون صوب الشرق بحثاً لهم عن ملجأ . وفعلاً نجحوا في تأسيس مدارس فلسفية في "إنطاكيا" و"ناصبين" و "جند يسابور" ... وهنا بدأت صفحة جديدة من تاريخ الفلسفة.

 وأخيراً وجدنا محاولات كاذبة، ظهرت بعد قتل هبيشا من معسكر المؤمنين، تسعى إلى تزوير التاريخ ووثائقه، وإختراع وثائق لا علاقة لها بما حدث، تبارك القاتل وفعل القتل، ولكن ينكرها الله الذي به يؤمنون . لقد أخترعوا رسالة تهاجم المسيحية وكتبوا إسم هبيشا عليها (أنظر : أدورد كيبون ؛ تاريخ إنهيار وسقوط الأمبراطورية الرومانية). وبذلك قتلوا هبيشا مرتين ؛ مرة بيد القديس سايرل ورهبانه المتعففين . ومرة أخرى بأيديهم، وذلك عندما أخترعوا وثيقة كاذبة تبرر قتلها .

 ووفقاً لبايرن وايتفيلد (قسم روبرت للمسيحية في جامعة ميرسر) يرى إن المؤرخ الوثني دمسكس (458 – 538 م، وهو آخر رمز من رموز الإفلاطونية المحدثة، إضطهده  الإمبراطور جوستنيان، ومن ثم طلب اللجوء إلى البلاط الفارسي ) كان "قلقاً في إستغلال فضيحة موت هبيشا" ( أنظر: بايرن وايتفيلد ؛ جمالية الإستدلال ؛ تحقيق في قضية هبيشا الإسكندرانية، نشرة جامعة جورجيا 1995، ص 14) . ومن ثم وضع اللوم على المسيحيين والبابا سايرل . وتفسيره قد إمتزج في سودا، الموسوعة البيزنطية، مما جعل أفكاره تنتشر بصورة واسعة . وعلى أية حال فأن دمسكس هو المصدر الوحيد الذي يحمل سايرل مسؤولية مقتل هبيشا (أنظر: مريا ديسلسكا ؛ المصدر السابق، ص 18) .

   وتعتقد ديسلسكا بأنه من الممكن أن يكون حارسه الشخصي متورط في عملية القتل . ولكن الحقيقة، هو إن معظم مؤرخي القرن الرابع ومابعد كانوا مسيحيين، وهذا هو السبب الرئيس الذي تم فيه التحكم على سرية المصادرعن هبيشا . كما هو السبب الذي يلقي ستاراً من السرية على موتها (أنظر: المصدر السابق).  

 وعلى هذا الأساس فضل بابا الأسكندرية "ثيوفيلوس" طريق العنف والإضطهاد لإرهاب المعارضين للعقيدي المسيحي وإسكات أصواتهم . وفعلاً قام البابا ثيوفيلوس بإحراق مكتبة الإسكندرية وهي المركز الفلسفي والتعليمي للإفلاطونية المحدثة التي تقودها الشهيدة هبيشا . ولكن وفاته، كما يبدو ختمت صفحة من تاريخ الصراع المسيحي ضد الإفلاطونية المحدثة وصوتها المدافع عن وحدة الإسكندرية والتعايش السلمي بين فئات المجتمع الإسكندراني المتنوع في دياناته وعقائده.

     إلا إن موت البابا الخال لم يخفف من حالة العنف الذي تقوده الكنيسة، بل تصاعد في فصله الجديد وبدرجات تراجيدية دموية، وذلك عندما نجح إبن أخت البابا السابق، القس سايرل أن يخلف خاله ويكون البابا الجديد، والذي أقسم عشية تتويجه بالبابوية بتصفية من أسماهم : هراطقة الإفلاطونية المحدثة واليهود وطوائف مسيحية مخالفة . وكانت الخطوة الأولى، قد تمثلت بصدور قرار من البابا أو بمباركة منه في تنفيذ خطة تصفية للأعداء الإفلاطونيين المحدثين . وفعلاً وضع قيادة التنفيذ بيد مساعده "القراء بيتر"، وبدأت الخطة بتصفية الفيلسوفة هبيشا تراجيدياً، وإسكات صوتها الداعي إلى الحرية والتنوع والتعايش إلى الأبد . وكان صوتها "في الوقت ذاته يعارض عقيدة الصوت الواحد والهيمنة والتسلط". ولعل القرار الكنسي الصادر بحق سايرل وإدانة ما قام به من عنف وتورطه في قتل الفيلسوفة هبيشا وإعتباره "مونسترا" وإنه عمل على " تدمير الكنيسة "شهادة مسيحية لصالح هبيشا وتجريم لأفعال البابا سايرل. فرحم الله هبيشا وطيب ثراها.

 نشره المقال لأول مرة على موقع الكاتب المعنون الفيلسوف:

http://drmfarhan.wordpress.com