Ibn Rushd Fund for Freedom of Thought

نصوص صادق جلال العظم - مقارنة من بيروت إلى برلين بقلم فادية فضة

PDF

مساء الخير،

تعرفت على صادق جلال العظم لأول مرة في مخيم برج البراجنة الملاصق لمدينة بيروت، كنت وقتها في سن الرابعة أو الخامسة عشرة من العمر، لم تكن معرفتي به شخصية ولكنها كانت عن طريق اختياري لكتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة" من مكتبة اتحاد المرأة الفلسطينية، تلك المكتبة الناشئة والتي احتوت على عشرات الكتب المحفزة على القراءة ومنها كانت البداية.  اخذت الكتاب وانا امني نفسي بأني سأشق طريقي بفهم العالم الذي حولي من خلال القراءة الجادة. قرأت الكتاب وانا آنذاك بلا أي رصيد معرفي، أعدت قراءة صفحاته عدة مرات لكن عقلي الفتي وجعبتي الفارغة لم تمكناني من فهم المرامي التي يتقصدها هذا الكتاب الذي حل وقتها لعنة علي. يحضرني هنا المقطع الفيروزي الذي يقول " كنا صغار وعمرنا بعدو طري" لأقول كنت صغيرة ووعيي بعدو طري. باختصار شكل هذا الكتاب باكورة لي في القراءة الجادة وشحنة صادمة استفزتني وجعلتني اشعر بالتحدي. مع مرور الزمن عاودت المحاولة وقرأت ما وصل الى يدي مما صدر للعظم  من كتب، طبعاً اختلف الأمر، وادعي بأني تمكنت بعد عدة سنوات من فهم ما يرمي اليه في كتبه.

في زيارته الأولى لبيتنا في برلين أخبرته خجلة عن تجربتي معه وسردت عذاباتي الاولى بالقراءة وهو على دماثة خلقه وسعة صدرة استقبل حكايتي بانتباه وعناية كبيرتين، ويمكنني الان القول بان هذا الكتاب الذي اعياني في قراءته "النقد الذاتي بعد الهزيمة" الذي قدم العظم من خلاله تحليلاً ونقداً عقلانيا لهزيمة عام 1967، والذي حمل فيه البنيتين التحية والفوقية في المجتمعات العربية مسؤولية هزائمنا. كان هذا التحليل صادماً للذات العربية المهزومة، وهو باستخدامه الواعي لكلمة "الهزيمة" بدل النكسة أراد متقصداً البعد عن حالة الإنكار وتغييب المسؤولية التاريخية. رأى العظم أن الهزيمة أدخلت الأنظمة العربية في أزمة مسّت شرعيتها، كما فقدت كل السلطات رمزيتها وهيبتها لدى المواطن العربي. وفسحت المجال للمتلقي على التقبل والإصغاء لخطاب جديد يفسّر له ما آلت إليه الدول العربية، وهو ما لم يكن ممكنا في السابق. سلط الضوء على نزعة لدى الشخصية العربية  بميلها إزاحة المسؤولية عن النفس وإسقاطها على الغير، ورأى تجلياتها في إرجاع الهزيمة إلى عوامل خارجية. وهو القائل: "كان المنعرج المهم في حياتنا كنخبة ومفكرين في مرحلة ستينيات القرن العشرين هو الهزيمة التي جعلتنا نرى بشكل آخر....إن الهزيمة صححت الوهم والتصورات السائدة في المجتمعات العربية حول البطولات والشعارات المملوءة بالحماسة والفارغة من الواقعية والعقلانية".

كانت كتاباته ذخيرة لنا وملجأنا للمعرفة في بيروت ونحن نعيش يوميات الثورة ومآلاتها . نحن الجيل الصاعد المتعطش لكل ما يخاطب عقلنا ، شغفنا بالبحث عن الافكار الجديدة في صفحات الكتب ، ولعل كتاب "نقد الفكر الديني" أكثر الكتب التي استحوذت في منتصف السبعينيات على اهتمام جيلنا مع فتحه لملف يعتبر من أعتى الممنوعات . تصدى العظم بالنقد والتحليل والنقاش والمراجعة لبعض نواحي الفكر الديني السائدة آنذاك وهو ما لم يكن مألوفاً أو مسموحاً به. استرجع هنا ما كتبه تحت عنوان "مأساة ابليس" حيث نحى العظم المقدس وتعامل مع مرويات شخصية ابليس باعتبارها واحدة من الميثولوجيات الدينية . وضعها وأطرها بنظرة فلسفية تجاوزت وغايرت المألوف الديني، وفي دفاعه عن إبليس أعاد النظر في هذه التراجيديا، وبرهن أن الأدب العربي القديم ليس خاليًا من الملاحم على غرار الملاحم الإغريقية، وأن قصة إبليس هي تراجيديا حقيقية. نسف العظم في هذا النص بلا هوادة أساطير تربينا واعتدنا عليها. وهنا ما زلت اعتبر ان "نقد الفكر الديني" ما زال حاضراً وسيظل علامة فكرية فارقة في الإنتاج المعرفي الذي خطه صادق جلال العظم، وما زال إلى الآن محطة للسجال والنقد والتحليل.

اما كتابه "في الحب والحب والعذري" ، نجد سعيه لتحليل الخطاب الشعري، كاشفاً جانب الزيف بين القول والفعل، وبين انهم يستعيروا صور الحبّ ويسبغوا عليها التعفّف والعذريّة بحثاً عن طهارة منشودة، أو تطهّر من واقع الممارسة بعينه. وشرح العظم هنا بنية الإيهام المصاحبة لذاك الموصوف بالحب والمقنع بأقنعة العذريّة التي أصبحت في سياق التداول صفة ممدوحة لذاتها لترمز إلى الغائب المأمول في الحب، أو ذاك الذي يظل بمنأى عن القبض والإحاطة.  استطاع العظم في عمله وبحثه من وضع الشعر في سياقه التاريخي، واستخلص من خلال تبحره في التراث العبر والحكم والأسئلة الدافعة على التفكير خارج أطر التقديس والتوثين. وهو في نتاجه هذا يوجه صدمه واعية للقارئ تحرضه على التفكير وتحفره على البحث والتنقيب .  

وقد واصل العظم تصديه الفكري لعقلية الاقصاء والتجريم والتكفير والقمع وعمل على تفكيكها من خلال كتاب "ذهنية التحريم" التي تجلت مع صدور رواية "آيات شيطانية" لسلمان رشدي في الوقت الذي كانت حمّى الشعارات تعمي كثيرين. في "ذهنية التحريم" قدم العظم نقده بالاستناد الى مراجع تراثية، وخصوصا تلك التي تتعلق بالنص القرآني والاحاديث النبوية وسجع الكهان . أثار كتابه عواصف من الانتقادات، ونشط الحقل الثقافي العربي بمقالات ودراسات نقدية فندها ورد عليها في بـ"ما بعد ذهنية التحريم". هنا كان العظم رائداً في العالم العربيّ في مقارباته الفكريّة الفلسفيّة، وكشفه عن بعض مكامن الخلل والعلل التي استوطنت الوعي الجمعيّ بطريقة النقل من دون مساءلة للتاريخ ولا إعمال للعقل في مواجهة تلك الأمور والأفكار والقضايا التي كانت تعدّ من المسلّمات التي يجب الإيمان بها والبناء عليها.

لم يتوقف العظم عن طرح المفاهيم والمصطلحات الجديدة . ففي ندوة نظمتها "مؤسسة ابن رشد للفكر الحر" في برلين عام 2012، ألقى محاضرة تحت عنوان "الدولة العلمانية والمسألة الدينية: تركيا نموذجاً" ميّز فيها بين ثلاثة اتجاهات إسلامية: "إسلام الدولة الرسمي" و"إسلام البزنس" و"الإسلام الأصولي الطالباني التكفيري الجهادي العنيف". اعتبر أن هذه الاتجاهات تتصارع على ضبط معنى الإسلام والسيطرة عليه.
تتجلى أصالة العظم واتساق فكره مع نفسه في موقفه من الثورة السوريّة. فقد انحاز لها وانشغل بها نقداً وتحليلا ، لعب دوره كمفكر حقيقي يقف مع الثورة ضد الظلم والقوة الجائرة وديكتاتورية الاستبداد.

يعتبر العظم بجدارة واحد من بين الشخصيات الثقافية الأكثر جذباً للحوار والنقاش في الإعلام العربي والأوروبي المرئي والمكتوب والمسموع . وهو في هذا الاتجاه يُصنف بين أكثر القامات الثقافية السورية نشاطاً ويسجل له ابتكار مصطلحات جديدة كـ"إسلام التوتر العالي".

وهو من ألمع المفكرين العرب الذين نجحوا في إثارة الدبابير من أعشاشها، وشرع في تحطيم الأيقونات السياسية العربية والخرافة والدين. وتندرج كتاباته في سياق الحداثة والتقدّم والنهضة ومقارعة الاستبداد والدفاع عن الحرية والديمقراطية والعلمانية.

كنت ضمن المحظوظين من الاصدقاء العديدين في برلين بمعرفته عن قرب، والاستماع لملاحظاته وتحليلاته التي ما زلنا بأشد الحاجة لها في الزمن الراهن، فهو من أكثر المثقفين والمفكرين العرب عمقاً في نقده ، وأكثرهم شغفاً في  إثارة السجالات ومواكبة الجدل الثقافي بنظريات وآراء مختلفة ونقدية وتنويرية. في الرحيل، يتكثف حضور منهج صادق جلال العظم، في فكرنا وفي قراءتنا للواقع . صادق جلال العظم لروحك ألف سلام .

فادية فضة