Ibn Rushd Fund for Freedom of Thought

المحاضرة متوفرة ايضا كملف للطباعة،

الرجاء النقر على الرابط التالي: 

ابن رشد والارتفاع بالطب إلى مرتبة العلم!

"العصا القاتلة"… التي "أفسدت جميع الأطباءفي أوربا!

 

محمد عابد الجابري

 

1- كتاب غير مسبوق

اشتهر ابن رشد بشروحه الأصيلة لكتب أرسطو، وبمؤلفاته الأصيلة كذلك في قضايا العقيدة والشريعة في الإسلام (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، تهافت التهافت، بداية المجتهد ونهاية المقتصد)! ولم يكن كتابه "الكليات في الطبأقل أصالة ولا أقل أهمية في تاريخ الطبوالغرض من هذه المقالة1 هو وضع هذا الكتاب في مكانه من سياق تاريخ الطب العربي، بل التاريخ العام للطبوهذا أمر ضروري لفهم هذا الكتاب، لا بوصفه كتاب معلومات في الطب، فطب اليوم غير طب الأمس؛ والطب كما أراده ابن رشد "علم"، وتاريخ العلم كما يقول باشلار هو "تاريخ أخطاء العلم". إن أهمية هذا الكتاب، إذن، ليست فيما يقرره من آراء طبية في هذا المرض أو ذاك، أو في هذا المظهر أو ذاك من مظاهر الصحة ووسائل الحفاظ عليها، بل تكمن أهميته –من وجهة نظرنا على الأقلفي كونه يدشن لحظة جديدة في تاريخ التفكير العلمي في الطب عموما، فهو ينتمي إلى مجال الفكر العلمي أكثر من انتمائه إلى الممارسة الطبية، وهذا ما أكد عليه ابن رشد نفسه مرات عديدة في فصول هذا الكتاب.

وهنا لابد من التمييز بوضوح بين التأريخ للعلوم الذي موضوعه تتبع الكشوف العلمية وممارسة هذا العلم أو ذاك عبر التاريخ وفي الحضارات المختلفة، وبين التأريخ لتطور الفكر العلمي، رؤيةً ومفاهيمَ ومناهجَالأول هو "تاريخ العلموهو السائد عموما، وهو وحده المعروف في ثقافتنا العربية المعاصرة عبر أبحاث المستشرقين الذين كانوا السباقين في هذا المجال إلى الاستفادة من المخطوطات الطبية العربية وكتب "تراجم الأطباءالتي تزخر بها المكتبة العربية القديمةأما الثاني، وأعني "تطور الفكر العلمي"، فالاهتمام به حديث نسبيا، حتى في الغرب، ولم تنل منه الثقافة العربية بعدُ حقَّها كاملا.

ومع أن في النصوص الطبية العربية، التي حررت قبل ابن رشد وبعده، ما قد ينتمي بصورة أو بأخرى لهذا الصنف الأخير، أو يفيد البحث المعاصر في هذا المجال، فإن كتاب "الكليات في الطبلابن رشد يفرض نفسه كأول كتاب يطرح للنقاش موضوع التفكير العلمي في الطبذلك أن فيلسوف قرطبة، "الذي كان يُفزع إلى فتواه في الطب كما يُفزع إلى فتواه في الفقه"، كما يقول عنه كتاب التراجم، يتخذ لنفسه في هذا الكتاب، بالفعل وبوعي وإلحاح، موقف المفتي فيما يجب أن يكون عليه الطب حتى يرتفع من مجرد مجموعة معارف تراكمت عبر الممارسة التي تقوم على الخبرة، إلى مرتبة العلم الذي تؤسسه "كليات"، أي أسس ومبادئ ومناهج، يجب أن تعرف وتؤخذ كأساس للفكر الطبيمن هذه الزاوية يمكن القول إن هذا الكتاب غير مسبوق، ولم يظهر ما يماثله في موضوعه إلا في القرن التاسع عشر، حين أصبحت فلسفة العلم موضوع اهتماموإذن فالكتاب الذي بين أيدينا هو أقرب إلى أن يكون كتابا في فلسفة علم الطب، أو الايبستيمولوجيا، بالمعنى المعاصر، منه إلى كتاب في الطب كممارسة، علما بأنه يلخص بصورة كافية ومركزة الممارسة الطبية في عصره، لا كمجرد ناقل بل كطبيب مجتهد صاحب رأي2.

2- صناعة الطب هي صناعة فاعلة عن مبادئ صادقة

يستهل ابن رشد كتابه الشهير (الكليات في الطببمقدمة يعرض فيها مشروعه بهذه العبارات: "فإن الغرض في هذا القول أن نثبت هاهنا من صناعة الطب جملة كافية -على جهة الإيجاز والاختصارتتضمن أصول الصناعة، وتكون كالمدخل لمن أحب أن يتقصَّى أجزاء الصناعة، وكالتذكرة أيضا لمن نظر في الصناعة؛ ونتحرى في ذلك الأقاويل المطابقة للحق، وإن خالف ذلك آراء أهل الصناعة (= صناعة الطب). يتعلق الأمر إذن بمشروع محدد وهادفالموضوع هو "أصولصناعة الطب، أي الطب كعلمإن عمل ابن رشد هنا يدخل في إطار مشروعه العام الذي يتوخى الاجتهاد و"التصحيح"، كما شرحنا ذلك قبل، ولذلك فهو يضم الجانبين معا، من جهةالاجتهاد في بعض المسائل التطبيقية والإدلاء بآراء مخالفة لما كان سائدا، وهذا جانب سنترك الحديث عنه هنا، وقد فصلنا القول فيه في المقدمة التحليلية التي كتبناها للطبعة التي أشرفنا عليها من كتاب الكلياتومن جهة أخرى بناء تصور الطب كعلم، وهذا ما سنركز اهتمامنا هنا عليه، وهو يتعلق بـ "التصحيح"، أي بإعادة بناء المعارف الطبية بالصورة التي تجعل منها علما.

كيف؟

يعرف ابن رشد الطب تعريفا لم نعثر له على مثيل أو أصل عند من سبقه ممن كتبوا في الطبيقول: "إن صناعة الطب هي صناعة فاعلة عن مبادئ صادقة، يُلتمس بها لحفظ صحة بدن الإنسان وإبطال المرض، وذلك بأقصى ما يمكن في واحد من الأبدان…".

"صناعة الطب هي صناعة فاعلة عن مبادئ صادقة"، وبلغة عصرناعلم تطبيقي يرمي إلى تغيير حال بحالوهذا العلم يقوم على مبادئ صحيحة، بمعنى أن التغيير الذي يحدثه هو نتيجة تدبير علمي يعتمد معطيات التجربة والاستدلال العقلي ولا مجال فيه لذلك "التغييرالذي يُعتقََد حصولُه بمبادئ غير صادقة كالسحر والتنجيم الخويعبر ابن رشد عن ذلك في مكان آخر بقوله: "الطب هو صناعة فعلُها، عن العلم والتجربة، حفظُ الصحة وإبراء المرض"، ثم يضيف: "وإنما قلنا في الحدِّ : "عن العلم والتجربة"، لأنه ليس يكتفي في هذه الصناعة بالعلم دون التجربة ولا بالتجربة دون العلم بل بهما معا"3.

ويشرح ابن رشد مكونات "الصناعة الفاعلة"، أو العلم التطبيقي، فيقول: "ولما كانت الصنائع الفاعلة، بما هي صنائع فاعلة، تشتمل على ثلاثة أشياءأحدها معرفة موضوعاتها، والثاني معرفة الغايات المطلوب تحصيلها في تلك الموضوعات، والثالث معرفة الآلات التي بها تحصل تلك الغايات في تلك الموضوعات، انقسمت باضطرار صناعة الطب أولا إلى هذه الأقسام الثلاثة". ولا شك أن القارئ يلاحظ معنا أننا هنا إزاء نظرة جديدة للطب وإزاء تقسيم جديد، ينقلاننا إلى أفق جديد يختلف تماما عن الأفق الذي نجده عند كل من المجوسي وابن سيناالطب علم تطبيقي، والعلم التطبيقي لابد له من موضوع يعرفه معرفة علمية ليمارس فيه "التطبيق"، ولابد له من غاية يراد تحصيلها في الموضوع، ولابد له كذلك من وسائل تتم بها عملية التحصيل هذهوقسمة الطب لا بد أن تنبني على هذه المكونات حتى تكون قسمة ذاتية تعبر عن جوهر المقسوم وليس عن أعراضه فقط.

 

3- أقسام الطب بحسبالموضوع ، الغاية، والوسائل.

وبناء عليه انقسم الطب أولا إلى هذه الأقسام الثلاثةالموضوع وهو بدن الإنسان، الغاية وهي حفظ الصحة وإزالة المرض، والوسائل وهي التي تُحفظ بها الصحة ويزال المرضوبما أن حفظ الصحة يتطلب أولا معرفة حال الصحة وعلاماتها، وإزالة المرض تتطلب أولا معرفة حال المرض وعلاماته، كان لابد من قسمة فرعية:الصحة، المرض، العلامات الصحية والمرضيةولما كان حفظ الصحة يتم بوسائل هي الغذاء أساسا وإزالة المرض تكون كذلك بوسائل هي الدواء أساسا، كان لابد من التعرف على الأغذية والأدويةوهكذا ينقسم البحث في الطب أقساما سبعةالتعرف على بدن الإنسان (التشريح)، التعرف على حال الصحة (وظائف الأعضاء)، التعرف على حال المرض (الباتولوجيا)، التعرف على العلامات (السيميولوجيا)، التعرف على الأغذية والأدوية (علم التغذية والصيدلة)، وطرق حفظ الصحة (الوقاية)، وطرق إزالة المرض (العلاج). ومن هنا قسم ابن رشد كتابه إلى سبعة كتب أو أقسام –بعد المقدمةهي: 1) كتاب تشريح الأعضاء. 2) كتاب الصحة. 3) كتاب المرض. 4)كتاب العلامات. 5) كتاب الأدوية والأغذية. 6) كتاب حفظ الصحة. 7) كتاب شفاء الأمراض.

ويناقش ابن رشد قسمة الطب إلى قسم علمي (نظريوقسم عملي، وهي القسمة التي اعتمد عليها المجوسي وابن سينا من قبله فيقول: "وهذه القسمة ليست بقسمة حقيقة لصناعة الطب، لأن جالينوس قد قال في حده (=تعريف الطب): إنه معرفة الصحة والمرض والأشياء المنسوبة إليهما والى الحالة التي ليست بصحة ولا مرضوإذا كان ذلك كذلك (أي لما كان الطب معرفة…فأقسامه إنما هي علوم، لا علوم وعملوذلك أن الصنائع التي يقال فيها إنها عملية منها ما يقال فيها ذلك لأنها تُتعلم بالعمل مثل صناعة النجارة والخياطة، ومنها ما يقال لها علمية وهي أنها تتعلم بالعلم، أعني بالبراهين والحدود (التعاريف)، لكن غاية العلم فيها إنما هو العمل، وهذه حال صناعة الطبوليس يبعد أن يكون من الصنائع ما يتعلم بالوجهين جميعا بالعلم والعمل إن سلمنا أنها صناعة واحدةوقد يظن بصناعة الطب أنها بهذه الصفةوذلك أن الجزء الذي يعمل باليدين إنما يتعلم بالعمل والمحاذاة أكثر ذلكفوجه العذر عن هذه القسمة (=ما قد يبرر قسم الطب إلى علم وعملأنه لما كان العلم ينقسم في صناعة الطب إلى علمين، علم يشاركه فيه صاحب العلم الطبيعي أعني أنه ينظر فيه العلمان جميعا، وهو العلم الذي ينظر في الصحة وأسبابها وعلاماتها وفي المرض وأسبابه وعلاماته، والعلم الثاني تختص به صناعة الطب، وهو النظر كيف تحفظ الصحة وبأي شرط تحفظ وكيف يزال المرض وبأي شيء يزال، سمي الجزء من العلم الذي يشارك الطب فيه العلم الطبيعي علميا، وأعني بالعلمي ما الغاية المقصودة منه العلم فقط لا العمل، وسمي الجزء الآخر، الذي ينفرد بالنظر فيه صناعة الطب عمليا، إذ كان قريبا من العمل وخاصا به وكثيرا ما يوجد فعله بالاحتذاء، أعني بالعملولذلك كان من شرط الطبيب أن يكون مع قيامه على علم الطب مزاولا لأعمالهوأما العمل باليد فهو كما قلنا عملي محض، وليس يتعلم بالقول (=بالاستدلالمنه إلا جزء يسير (=إذ هو ممارسة وخبرة). وكذلك يشبه أن يكون التشريحأعني أنه لا يتصور منه بالقول إلا يسير (=إذ يعرف بالحس). وأول من قسم العلم الطبيعي بهذه القسمة حُنين المتطبب، وقد رد عليه ابن رضوان ذلك وزعم أن أصول جالينوس تقتضي أن هذه القسمة باطل، وانتصر له أبو العلاء (ابن زهر)، وزعم أنه تلفى هذه القسمة في بعض الكتب المنسوبة لجالينوسوالحق في ذلك ما قلناه"، (أي أن الطب صناعة علمية أي علم تطبيقي، وأن قسمته إلى علمي وعملي قسمة باطلة). ويضيف: "وأفضل من هذه القسمة أن تقول الطب ينقسم إلى خمسة أقسامإلى معرفة طبيعة الصحة، وإلى معرفة طبيعة الأمراض، وإلى معرفة علامات الأمراض، وإلى معرفة إزالة الأمراض، وإلى معرفة حفظ الصحة".4

 

4- مصادر المعرفة الطبية العلمية ودرجتها من اليقين.

بعد ذلك ينتقل ابن رشد إلى المبادئ والأصول التي يقوم عليها الطب كعلم فيلاحظ أن "الصنائع الفكرية"، أي التي تعتمد على التفكير والروية في المعطيات الحسية والتجريبية (وهي غير الصنائع النظرية التي تنظر في المجردات كالفلسفة والرياضيات الخ)، تعتمد كجميع الصناعات على مبادئ وأصول عامة، تتسلَّمُهاإما من بديهة العقل مثل مبدأ السببية ومبدأ الهوية وعدم التناقض وهي مبادئ بينة بنفسها، وإما من علم آخر سابق تبينت فيه بالبرهان أو بالتجربة أو بهما معاوالمصادر الرئيسة التي تتسلَّم منها صناعة الطب مبادئها –زيادة على مبادئ العقلثلاثةالعلم الطبيعي، والممارسة الطبية، والتشريح.

والعلاقة بين هذه المصادر وبين علم الطب علاقة واضحةفالعلم الطبيعي يبحث في الأجسام وموضوع علم الطب جسم الإنسان، وإذن فكل ما يخص هذا الجسم من ناحية تركيبه الطبيعي يتسلمه علم الطب من العلم الطبيعي، مثل ما يتعلق بالأسطقسات والأسباب الأربعة، المادة والصورة والفاعل والغاية، وغير ذلك مما ينتمي إلى الجهاز المفاهيمي الذي يستعمل في البحث في الأجسام الطبيعيةأما الممارسة الطبية أو صناعة الطب التجريبية فيتسلم منها علم الطب ما يخص قوى الأدوية، ذلك لأن مفعول الأدوية إنما يعرف بالتجربة أساسا، وما يعرف منها بالاستنباط لا يكون إلا انطلاقا مما عرف بالتجربة وهو نزر يسيروأما صناعة التشريح، تشريح الأعضاء، فإن صناعة الطب "تتسلم منها كثيرا من أجزاء موضوعاته". وهذا واضح، لأن حفظ الصحة وإزالة المرض، الذي هو غاية الطب، ينصرف إلى أعضاء البدن واحدا واحدا وإلى البدن ككل.

تلك هي المصادر التي يتسلم منها علم الطب مبادئه وأصولهوالسؤال الآن هوما درجة هذه المصادر من المصداقية العلمية، وبعبارة أخرى ما هي درجة ما تعطيه هذه المصادر على سلم الصدق واليقين؟

سؤال ضروري لأن الأمر يتعلق ببناء علم، هو علم الطبويجيب ابن رشد:

أما فيما يخص العلم الطبيعي فيجب الانتباه أولا إلى ما يجمع بينه وبين علم الطب وإلى ما يفترقان فيهعلم الطب يشارك العلم الطبيعي في بدن الإنسان، في صحته ومرضه، بوصفه جسما، وبالتالي موضوعا لدراسة كل منهما، ولكن يفترقان من حيث أن صاحب العلم الطبيعي "ينظر في الصحة والمرض من حيث هما أحد الموجودات الطبيعية، وينظر الطبيب فيهما من حيث يروم حفظ هذه وإزالة هذا". من أجل ذلك كان على الطبيب أن لا يكتفي بمعرفة ما يمده به العلم الطبيعي من "كليات"، أي من خصائص عامة عن الأجسام، بل لا بد له من ممارسة طويلة يتمكن بها من معرفة الكيفيات التي تتجلى عليها هذه الخصائص الطبيعية في بدن الإنسان.وبعبارة أخرى إنه بالممارسة الطبية وحدها يتعرف الطبيب على خصائص بدن الإنسان التي تخصه لذاته بوصفه جسما من الأجسام، أي بوصفه أحد أفراد جنس الأجسامومن خلال التعرف على هذه الخصائص "تحصل له مقدمات تجريبيةيقدر بها أن يكتشف في بدن الإنسان تلك الخصائص العامة التي يدرسها العلم الطبيعيوبعبارة أخرىهناك ما هو عام وهو المبادئ التي يعطيها العلم الطبيعي، وهناك ما هو خاص وهو ما تعطيه مزاولة الطبوالارتفاع بهذه المزاولة إلى مستوى العلم يكون بربط الخاص بالعام، وبالتالي اكتشاف العام في الخاصوإذن فالمصداقية العلمية لما يأخذه علم الطب عن العلم الطبيعي تتوقف على مدى الممارسة العلمية التي يقوم بها الطبيب والتي تمكنه من اكتشاف "العامالذي يعطيه العلم الطبيعي في "الخاصالذي يتعامل الطب معه وهو بدن الإنسان.

أما عن المصداقية العلمية لما يتسلمه علم الطب من الممارسة الطبية التجريبية فينبه ابن رشد إلى صعوبة الحصول على اليقين في كل موضوع من موضوعاتها، كما هو الحال في الأدوية، وهي أهم ما يتسلمه منهاذلك لأن اليقين في هذا المجال يحتاج إلى طول تجربة وإلى ملاحظة مفعول الدواء في كل شخصأضف إلى ذلك تدخل عوامل أخرى مختلفةوالنتيجة أن ما يأخذه علم الطب من الممارسة الطبية يجب أن يعتبر في درجة "المشهوراتوليس في درجة "اليقينيات".

أما صناعة التشريح فالمصداقية العلمية فيها أساسها الحس والمشاهدة والفحصولكن بما أنها لم تعد زاهرة –في أيام ابن رشد- "إذ قد دثرتكما يقول، فإن علم الطب مضطر إلى أن يتسلم منها ما هو في حاجة إليه حسب المشهور، مثل ما هو الحال في الأدوية التي مصدر المعرفة بها التجربة.

والخلاصة أن "صناعة الطبهي "صناعة فاعلةأي علم تطبيقي تعتمد في فاعليتها وتطبيقها على "مبادئ صادقة": صدق بعضها في مرتبة المقدمات اليقينية، وهي ما تتسلمه من العلم الطبيعي إذا زكي بالتجربة التي تمكن من تطبيق القوانين الكلية على الأشياء الجزئية، بينما صدق بعضها الآخر هو في مرتبة المقدمات المشهورة، ويتعلق الأمر بما تعطيه الممارسة الطويلة سواء على مستوى المعالجة والأدوية أو على مستوى التعرف على تركيب الأعضاء وخصائصها بواسطة صناعة التشريح التي "دثرتولم تعد تقدم جديدا (زمن ابن رشد).

وينهي ابن رشد هذه المقدمة المركزة الغنية -مقدمة كتاب الكلياتبملاحظتين سريعتينالأولى يبين فيها خطأ الاقتصار في حد علم الطب على كونه: "معرفة الصحة والمرض والأشياء المنسوبة إليهما"، موضحا أن هذا الحد يصدق على العلم الطبيعي أيضا، وبالتالي لا بد، لجعله ينصرف إلى الطب وحده، من إضافة العبارة التالية: "ليحفظ الصحة حاصلةً ويستردها زائلةً"، إذ كان هذا الجانب التطبيقي هو المقصود من الطب وبها ينفصل عن العلم الطبيعي الذي هدفه المعرفة فقطأما الملاحظة الثانية فينبه فيها إلى الخطأ الكامن وراء إضافة "الحال التي ليست بصحة ولا مرضإلى حد الطبوهذا الخطأ ناجم –يقول ابن رشدمن عدم فهم صحيح لمعنى الوسط.فليس هناك وسط بين الصحة والمرض كما نقول في وسط العصا مثلا، بل الصحة والمرض يختلفان بالأقل والأكثر، مثلهما في ذلك مثل ما بين اللون الأبيض والأسود من درجات، وهي الألوان المؤلفة منهما مثل الرمادي المفتوح والرمادي القاتم والبني الخيقول ابن رشد: "فإنه ليس بين ضرر الفعل المحسوس ولا-ضرره وسط، وإنما يختلف بالأقل والأكثروليس المتوسط بين الضدين أن يكون كل واحد منهما في جزء غير الجزء الذي فيه الآخر، ولا في زمن غير الزمن الذي فيه الآخروهذا بين مما قيل في العلم النظري".

 

5- الطب علم تطبيقي، منه نظريات ومنه تطبيقات.

هناك مسألة أخيرة لابد من إثارتها هنا، وتتعلق برفض ابن رشد لقسمة الطب إلى علمي وعملي وإلحاحه على كونه علما بجميع أقسامهوفي مقابل ذلك يميز بين "الكلياتأو "الأقاويل الكليةوبين "الأقاويل الجزئيةفي الطب يقول في آخر فقرة في الكتاب: "فهذا هو القول في معالجة جميع أصناف الأمراض بأوجزِ ما أمكننا وأبينِه، وقد بقي علينا من هذا الجزء القول في شفاء مرض من الأمراض الداخلة على عضو من الأعضاء (…) نرجئ هذا إلى وقت نكون فيه أشد فراغا"، ثم ينصح قارئه، الذي يرغب في الاطلاع على معالجة كل عضو على حدة، بالنظر في كتاب "التيسيرالذي ألفه صديقه أبو مروان ابن زهر.

كيف نفهم هذا التمييز ؟

الواقع أن ابن رشد قد تصور "صناعة الطبخارج التقسيم التقليدي الذي يقسم الفلسفة إلى قسمين نظري وعملي، والذي عممه الفارابي وابن سينا والغزالي حتى على العلوم الإسلامية إذ جعل هذا الأخير "علم الكلامبمثابة "العلم النظريوالفقه بمثابة "العلم العملي". لقد اعترض ابن رشد على هذا التعميم رافضا اعتبار "علم الكلامعلما بالكليات وعلم الفقه علما بالجزئيات، كما اعترض عليه هناإن الطب، في نظر ابن رشد "صناعة فاعلة"، أي علم تطبيقي، وأن أقرب الصناعات إليها : "صناعة الملاحةو"صناعة قود الجيوش" (أي قيادتها في الحرب)5وهذا العلم التطبيقي قوامه "أقاويل كليةهي "أصول الصناعة"، و"أقاويل جزئية"تخص علاج مرض في عضوومن هنا قد لا نخطئ إذا قلنا بعبارة عصرناصناعة الطب أو فن الطبقسمانقسم هو علم يدرس، كما هو الشأن في الدروس العامة التي يتلقاها الطالب في كلية الطبوقسم هو تطبيق لتلك الدروس أثناء فترة التدريب في المستشفيات والملاحظات السريرية.

 

6– التصور الرشدي للطب أقرب إلى التصور الحديث.

وواضح أن تقسيم ابن رشد لموضوعات الطب إلى الأقسام السبعة (أو الخمسةالمذكورة آنفا، وإلحاحه على الطابع العلمي للأقاويل الكلية والجزئية التي تلتئم منها هذه الأقسام، وعلى أهمية دور التجربة فيه، كل ذلك يضعنا أمام تصور جديد لعلم الطب يختلف تماما عن التصور الذي قدمه لنا كل من المجوسي وابن سيناوهذا التصور الرشدي للطب قريب جدا، إن لم يكن مطابقا تماما، للتصور الحديث والمعاصر، سواء في تحديد موضوع الطب وأقسامه أو في تحديد درجته من اليقين العلميوقد يكفي أن نشير هنا إلى ما كتبه كلود برنار في كتابه "المدخل إلى دراسة الطب التجريبيالذي يعتبر دستور الطب الحديث والصادر سنة 1920. يقول في مقدمة كتابه: "حفظ الصحة وشفاء المرض، تلك هي المشكلة التي طرحها الطب منذ قيامه، وهي نفسها المشكلة التي ما زال يواصل العمل لحلها حلا علمياوالوضع الحالي للممارسة الطبية يسمح بالقول بأن هذا الحل سيبقى لمدة طويلة موضوعا للبحث". وبعد أن يبرز التقدم الذي حصل في الطب من خلال ما أنجز في العلوم الفيزيائية الكيميائية وفي ظواهر الحياة، السليم منها والمرضي، يقول: "ولكي يتمكن الطبيب من الإحاطة بالمشكلة برمتها يجب أن يشتمل الطب التجريبي على ثلاثة أقسام أساسيةعلم وظائف الأعضاء (La physiologie)، وعلم الأمراضLa pathologie) )، وعلم الشفاء" (La thérapeutique). ويضيف كلود برنار قائلا: "غير أن الطب العلمي لا يمكن أن يتأسس، مثله مثل العلوم الأخرى، إلا عن طريق التجربة، أي بالتطبيق الآني والصارم للاستدلال المنطقي (raisonnementعلى المعطيات التي تمدنا بها الملاحظة والتجربةإن المنهاج التجريبي منظورا إليه في ذاته ليس شيئا آخر غير الاستدلال الذي به نخضع أفكارنا، وبصفة منهجية، لتجربة الظواهر".(6)

لاشك أن القارئ يلاحظ أن ابن رشد رتب كتابه على نفس المنوال الذي يلح عليه هنا كلود برنارفبعد "صناعة التشريحالتي تتسلم منها صناعة الطب "كثيرا من أجزاء موضوعاتها"، يأتي كتاب الصحة الذي موضوعـه منافع الأعضاء أو وظـائفها (La physiologie)، ثم كتاب الأمراض وكتاب العلامات التي تدل على الأمراض (La pathologie) ، ثم كتاب الأدوية والأغذية وكتاب حفظ الصحة وكتاب شفاء الأمراض (La thérapeutique). هذا إضافة إلى تأكيده القوي على "أنه ليس يكتفي في هذه الصناعة بالعلم دون التجربة ولا بالتجربة دون العلم بل بهما معا"(7).

وغني عن البيان القول إننا لا نهدف من هذه المقارنة إلى إثبات "سبقما لابن رشدفالمسافة طويلة بين القرن الثاني عشر الميلادي والقرن العشرين عشر في جميع الميادين، وفي الميدان العلمي بكيفية خاصةولكن هناك أمر واحد يفرض نفسه علينا، وهو أن التصور الذي شيده ابن رشد عن علم الطب هو أقرب ما يكون من التصور الحديثومع ذلك كله لا بد من التأكيد هنا أن هذه الروح العلمية التي تعامل بها ابن رشد مع موضوعه كانت مكبلة بالجهاز المفاهيمي الذي كان سائدا في عصره كجهاز لإنتاج المعرفة العلمية، كما أن النظرية الطبية السائدة في زمانه، تلك التي شيدها جالينوس كانت هي المادة العلمية التي تعامل معها ابن رشد وفكر في إطارها حتى في انتقاداته الكثيرة لها.

بعبارة قصيرة، يمكن القول إن ما أنجزه ابن رشد من تجديد في ميدان التفكير العلمي في الطب شبيه بما قام به على صعيد الفلسفة وشرح أرسطوصحيح أن ابن رشد لم ينتقد أرسطو كما انتقد جالينوس -وإن كان قد اعتمد على هذا في الطب كما اعتمد على ذاك في "الطبيعةو"ما وراء الطبيعة"- ولكن ابن رشد قد حاول حل المشاكل التي تركها أرسطو معلقة وسد الثغرات في منظومته بناء على "ما يقتضيه مذهبه"، مذهب أرسطو الذي هو في الحقيقة مذهب ابن رشد نفسه، وذلك بتطويع الجهاز المفاهيمي الأرسطي إلى درجة تقترب من تفجير المنظومة الأرسطية بالمرة8والشيء نفسه فعله فيلسوف قرطبة مع طب جلينوس، (كما سنرى في مقدمتنا التحليلية للكتاب). والسؤال الآن سؤال مضاعف:

ترى ماذا كان دور ابن رشد الطبيب في أوروبا؟ هل كان بمثل دوره في الفلسفة، وهو الدور الذي تمثل في قيام "الرشدية اللاتينيةالتي كانت وراء النهضة الأوروبية؟ وهل كان له دور ما في الفكر الطبي العربي بعده؟

 

7- ابن رشد وكتاب الكليات في أوروبا: "العصا القاتلة".

يجب التأكيد ابتداء أننا ما زلنا عالة على المستشرقين في موضوع "دور العلم العربي في النهضة الأوروبية"، وأن ما أنجزه هؤلاء في هذا المجال مازال، رغم أهميته، دون ما يجب أن يكونإن دور العلم العربي والفلسفة العربية في النهضة الأوروبية لا يمكن جلاءه إلا على أيد باحثين عارفين للغتين اللاتينية والعبرية ومتخصصين في ثقافة القرون الوسطى وعلى إلمام كاف بالتراث العربي في العلم والفلسفةوهذا ما نتمنى أن يتوافر للثقافة العربية على أيدي الأجيال الصاعدة من الباحثين الجامعييننحن مضطرون إذن، في الوقت الحاضر، إلى النقل من المستشرقين والمستعربين الجدد والمهتمين بهذا الموضوع من الباحثين والأكاديميين الأوروبيينولعل أهم بحث أنجز أخيرا في الموضوع -حسب علمناهو ذلك الذي كتبته دانيال جاكار (مديرة أبحاث في المعهد التطبيقي للدراسات العليا بباريس)، بعنوان "تأثير الطب العربي في الغرب خلال القرون الوسطى"9، وسيكون هذا المقال مرجعنا الرئيسي في الموضوع.

تبرز الباحثة حضور كل من كتاب علي بن العباس المجوسي "كامل الصنعة الطبيةوكتاب "القانونلابن سينا وكتاب "المنصوريثم "الحاويللرازي وكتاب "الكلياتلابن رشد الذي عرف باسم Colliget وقد ترجمت كلها إلى اللاتينية10وكما هو الشأن في الفلسفة فقد كان هناك في الأوساط الطبية الأوروبية تياران متنازعان، أحدهما مع ابن سينا والآخر مع ابن رشدويهمنا هنا الدور الذي قام به ابن رشد من خلال كتابه "الكليات".

تقول الباحثة المذكورةعن كتاب "الكليات" : "لقد أثار هذا الكتاب العديد من المجادلات التي سمحت للأطباء الغربيين بتجديد مذهبهم". "وبصفته داعما للأفكار الأرسطية فقد ساهم كتابColliget في وضع مسائل أساسية بشكل جديدوهكذا ابتداء من السنوات الأخيرة في القرن الثالث عشر وصولا إلى القرن السابع عشر، توزعت التحديدات المختلفة للحمى حول الموقفين المتباعدين لابن سينا وابن رشد". وبعد أن تشير الباحثة إلى أن الحل الذي قدمه ابن رشد قد أخذ به بدون صعوبة لكونه أقرب إلى رأي جالينوس، تضيف قائلة: "لقد لعب كتاب Colligetأيضا دورا محرضا بإعطائه من جديد حيوية لتعريف الطب كصنعةإن الأوضاع الخاصة بالنظرية والتطبيق (= القسم النظري والقسم العملي في الطبكما ظهرت في كتابي Pantegni ( المجوسيكامل الصناعة الطبيةوcanon (القانون لابن سينا)، قد طرحت مجددا للنقاش (…). إن النقاش حول تحديد الطب الذي ورد في كتاب الكليات Colliget لقي كثيرا من الصدى، الأمر الذي أدى في النصف الثاني من القرن الثالث عشر إلى بروز اهتمام جديد بالطريقة التي تسمح بتحليل الحالات الخاصة (particularia)، أي الظروف التي لا تحصى والتي تحصل في الحياة اليومية". وقد بلغ تأثير ابن رشد في زعزعة التصورات الطبية التي كانت سائدة أن خص شارح كتاب القانون لابن سينا جاك ديبار Jacques despars المتوفي سنة1458م ابن رشد بوصف خاص غني بالدلالةوهكذا فبينما قال عن الرازي إنه "المختبر الأرفعو"الطبيب الأكبر والأكثر خبرة بعد ابقراط وجالينوس"، وقال عن ابن ماسويه إنه "خبيرناومبشرنا"، "الأعلم من الجميع في وصف الأدوية"، وصف ابن رشد الطبيب بـ "العصا القاتلة"، و"الرجل الذي "أفسد جميع الأطباء"!

أما أن يكون كتاب "الكلياتلابن رشد "قد أثار العديد من المجادلات التي سمحت للأطباء الغربيين بتجديد مذهبهم"، وبالخصوص من خلال التصور الجديد الذي قدمه عن الطب وأقسامه ومرتبته من اليقين، فهذا مفهوم؛ وقد سبق أن أبرزنا هذا الجانب في الفقرات السابقة.وأما وصفه بـ "العصا القاتلةوبـ "الرجل الذي أفسد جميع الأطباء"، فالسؤالكيف، ولماذا؟ يطرح نفسه بإلحاح.

إن الباحثة صاحبة المقالة التي ندين لها بهذه المعلومات القيمة لا تطرح هذا السؤال، وبالتالي فهي لم تنشغل بالإجابة عنه بل انتقلت إلى موضوع آخرومع ذلك فإن سياق عرضها التاريخي لحضور الطب العربي بمختلف منازعه في الفكر الأوروبي، وردود الأفعال التي قامت هناك إزاء هذه المرجعية العربية أو تلك، تسمح لنا باستخلاص الجواب عن سؤالنالماذا وصف ابن رشد الطبيب هناك بـ "العصا القاتلةولماذا قيل فيه : "إنه أفسد جميع الأطباء"!

نقرأ في المقالة نفسها أن الطبيب الكتالاني أرنو دو فيل نوف (Arnaud de Ville Neuve) "أحد الوجوه الفكرية البارزة في القرون الوسطى"، كان "مجددا في إطار تقليد استوحى أعمال جالينوس، وكان أيضا ناقدا لاذعا لابن سينا على الرغم من أنه استوحى مؤلفاته وأنه ترجم له مقالة في أحكام الأدوية القلبية التي ظهرت بعنوان De viribus cordis . وفي سياق مرجح من الجدال داخل الوسط الطبي انتقد بعنف، ومرة بعد أخرى، أولئك الذين يتبعون كتاب Canon (القانونلابن سينا بشكل أعمى". لقد أعلن في كتبه أن "الحقيقة المتينة التي وصل إليها جالينوس لم يفهمها ابن سينا الذي، من خلال غزارة مجلده الضخم في الطب، جعل القسم الأعظم من الأطباء اللاتين حمقى، "يثرثرون تحت نفوذه من دون أن يتذكروا البرهانويبدو أنهم يعتبرون أنفسهم مغتبطين إذا استطاعوا رؤية أو قراءة أو إظهار عبء المجلد (=قانون ابن سيناء؟على منابرهم الكبيرة". وتضيف صاحبة المقالة: "إن فهم أعمال ابن سينا بالنسبة إلى دوفيل نوف يعني تمريرها من خلال مصفاة الجالينوسية".11

واضح مما تقدم أن "قانونابن سينا كان له نوع من الهيمنة على الأوساط الطبية في أوربا خلال القرن الثالث عشر، وأن ردود أفعال مناوئة له بدأت تظهر عندما أخذ الدارسون يكتشفون نصوص جالينوس مما أتاح لهم "مقابلة الأعمال العربية بالمصادر الجالينوسية". وفي هذا الإطار يدخل هذا الرد العنيف الذي تعرفنا عليه أعلاه ضد ابن سينالقد كان دعوة إلى الرجوع إلى المرجعية الطبية الأساسيةجالينوس الذي وصل إلى الحقيقة المتينةالتي "لم يفهمها ابن سينا الذي… جعل القسم الأعظم من الأطباء اللاتين حمقى".

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو التاليإذا كان ابن سينا قد "جعل القسم الأعظم من الأطباء اللاتين حمقى"، وأن البديل الصحيح هو الرجوع إلى جالينوس، فما هو "ذنبابن رشد في هذا السياق حتى يوصف بـ "العصا القاتلةويتهم بأنه "أفسد جميع الأطباء"؟

 

8- هل كان ابن رشد وراء اكتشاف الدورة الدموية ؟

الجواب يقدمه لنا كتاب "الكلياتالذي بين أيديناذلك أن ابن رشد قد أعلن في مقدمة هذا الكتاب أنه سيتحرى فيه "الأقاويل المطابقة للحق، وإن خالف ذلك آراء أهل الصناعة" (= صناعة الطب). وأهل الصناعة الذي يخالفهم في هذا الكتاب ليس ابن سينا، فهو يتجاوزه و لا يذكره إلا نادرا وفي أمور جانبيةإن الذي سيخالفه ابن رشد ويدخل معه في نقاش من أول الكتاب إلى آخره هو جالينوس بالذاتلقد اعتبر ابن رشد جالينوس الشخص الوحيد الجدير بأن يعتمد وأن يناقش في آن واحدوواضح أن مناقشة فيلسوف قرطبة لجالينوس ومخالفته له في مسائل أساسية من مذهبه الطبي معناه "خلخلةوزعزعة البديل الذي لجأ إليه معارضو ابن سينا في أوروبا والعمل على تجاوزهلقد كان ابن رشد من هذه الناحية فعلا "عصا قاتلةللتقليد، سواء تقليد ابن سينا أو تقليد جالينوسومن هنا كان لابد أن ينظر إليه على أنه "أفسد جميع الأطباء"، الشيء الذي يعني أنه زعزع الفكر الطبي الأوروبي في القرون الوسطى ودفعه في اتجاه الثورة على التقليد، اتجاه فتح "باب الاجتهاد فيه"، وذلك إلى درجة جعلت البعض يربط بين ابن شد واكتشاف هارفي للدورة الدموية الكبرىأما الصغرى فشرَف اكتشافها يعود لابن النفيس كما سنرى.

وإذا كان هذا هو تأثير كتاب "الكلياتفي الفكر الطبي الأوربي فماذا كان، يا تُرى، حظ الفكر الطبي العربي منه؟

لقد اعتاد الناس على القول إن فكر ابن رشد لم يكن له ما بعده في الثقافة العربية، وهذا إن كان صحيحا على مستوى ما كان يمكن أن يحدثه من ثورة فكرية في الحضارة العربية التي كانت قد دخلت آنذاك في مرحلة الأفول، فليس صحيحا على مستوى ما حصل من تطور وتجديد في قطاعات معرفية معينةلقد سبق أن أبرزنا في أعمالنا الأخرى امتدادات المشروع التجديدي الرشدي لدى كل من البطروجي في علم الفلك والشاطبي في أصول الفقه وابن خلدون في "علم العمرانوابن تيمية في العلاقة بين المعقول والمنقول12ونضيف الآن فنتساءلألم يكن ابن رشد وراء أعظم اكتشاف في تاريخ الطب العربي بل ربما في تاريخ كله، نعني بذلك اكتشاف ابن النفيس للدورة الدموية الصغرى؟

سؤال تركنا الخوض فيه إلى مقدمتنا التحليلية لمحتوى كتاب "الكليات". ذلك أن الخوض في الجواب عن هذا السؤال يتطلب أولا الاستماع إلى مناقشة ابن رشد لجالينوس في المسائل المتصلة بالموضوع مثل العلاقة بين الكبد والقلب والرئة والشرايين والأوردة الخ، المناقشة التي مارس فيها ابن رشد عملية "الخلخةللمرجعية الطبية الأولى في زمانه وإلى ما بعد زمانه بما لا يقل عن خمسة قرون (جالينوس)، والتي ألح فيها على دور التجربة وخوضه في قضايا معينة كان للنقاش الذي أثاره حولها أهمية تاريخية بالغة.

1 نثبت هنا نص الفقرة التي خصصناها لابن رشد في المدخل الذي صدرنا به النسخة التي أشرفنا على تحقيقها من كتابه "الكليات في الطبالذي نشرناه ضمن مجموعة كتب ابن رشد "الأصيلة"، أي التي كتبها ابتداء وليس شروحاوهي "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، "الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة"، تهافت التهافت"، "الكليات في الطب"، وأخيرا تلخيصه لكتاب السياسية لأفلاطون الذي نشرناه بعنوان "الضروري في السياسة"، وهذا الكتاب ضاع أصله العربي ولم يبق منه سوى نسخة بالعبرية نقلها إلى العربية مباشرة زميل لنا بكلية الآداب بالرباط وتولينا نحن صياغتها حسب تعبيرات ابن رشد ومصطلحه وأسلوبهوقد جهزنا نصوص ابن رشد في هذه الكتب جميعها بعلامات الإفهام (فقرات، فواصل، نقط الخوصدرنا كلا منها بمدخل يؤرخ لموضوع كل كتاب، ثم بمقدمة تحليلية عرضنا فيها لمحتواه بالتحليل والمناقشةوقد طبعت هذه الكتب سنة 1998 وكان ذلك بمناسبة سنة ابن رشد، وقد صدرت في نفس السنة عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت.

 

2 كان ابن رشد يعمل في كل ما كتب من أجل تحقيق هدف استراتيجي واحد هوإعادة بناء الفكر والثقافة في عصره، وذلك بإعادة تأصيل الأصول في كل مجال من مجالات الثقافة العربية الإسلاميةفي العقيدة، والشريعة، والفلسفة، والطب، والعلم، واللغة، والسياسة ...

ففي مجال العقيدة أكد بعبارات صريحة أن هدفه من التأليف فيها كما عبر هو نفسه: "تصحيح عقائد شريعتنا مما داخلها من التغييروالرجوع بهـا إلى "الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها"، ووضع "قانون للتأويليبين للعلماء ما يجب تأويله، وما يجوز، وما لا يجوز، وكيف؟

أما في مجال الفقه فقد دشن عمله فيه بكتابه "الضروري في أصول الفقهالذي افتتحه بتوجيه نقد قوي لفقهاء عصره الذين قال عنهم: "وظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنهم مقلدونمن أجل ذلك قرر تصحيح الوضع بفتح باب الاجتهاد وبيان أسباب الخلاف بين أئمة الفقه، فكان ذلك موضوع كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، الذي عرض فيه الفقه الإسلامي عرضا نقديا يقوم على مقارنة المذاهب الفقهية الأربعة وبيان وجوه الاختلاف بينها ودواعيه، وترجيح ما اعتبره أقرب إلى مقاصد الشرع.

وأما في مجال النحو واللغة فقد ألف فيه كتابه "الضروري في النحوعمل فيه على إعادة صياغة علم النحو العربي بحيث تتوافق بنيته مع علم النحو في اللغات الأخرى وتكون قواعده عامة شاملة ومنطقية.

وأما في المجال الفلسفي فقد أعلن فيلسوف قرطبة في أول كتاب له في الفلسفة، أن غرضه هو استخلاص الآراء العلمية التي يقتضيها مذهب أرسطو وحذف الأقاويل الجدلية منها، مبينا أنه إنما اعتمد على مؤلفات أرسطو دون غيرها من كتب القدماء (اليونانلكونها "أشدها إقناعا وأثبتها حجة".

أما في مجال الطب، الذي ألف فيه "كتاب الكليات في الطب"، فقد كان هدفه الأساسي منه بناء الطب على العلم، والعلم الطبيعي خاصة، لتكون الممارسة الطبية في الجزئيات منتظمة تحت "كلياتعلمية وليس على مجرد التخمين والتقليد والتجارب العفوية التي كان يعتمدها أصحاب الوصفات الجاهزة من مؤلفي "الكنانيش" (التي تصف الدواء لكل داءوغيرهم من المؤلفين في الأمراض والأدوية كما سنرى أعلاه.

وأما في مجال العلوم الطبيعية، فقد رافقه منذ بداية مسيرته العلمية مشروع من أعظم المشاريع العلمية، هو مشروع إصلاح علم الفلك الذي كان يعتمد في عصره الاعتماد كله على بطليموس ونظامه الكونيكان ابن رشد مهتما بهذه المشروع طوال مسيرته العلمية التي بدأت وهو في السابعة والعشرين من عمره عندما قصد إلى بعض الجبال المرتفعة بناحية مراكش بالمغرب بهدف إجراء قياسات علمية حول حركة بعض الكواكبولكن كثرة أشغاله وتعدد مشاريعه العلمية جعلاه يؤجل الانكباب على "إصلاح علم الفلكمرة بعد مرة إلى أن تقدمت به السن ووجد نفسه غير قادر على إنجاز هذا المشروع معبرا عن أمله في أن يأتي من بعده من يقوم بالمطلوب، وفعلا جاء بعده الفلكي المجدد البطروجي ...

كان ابن رشد صاحب رسالة حددها لنفسه بكل وضوح، وعمل من أجلها باجتهاد منقطع النظير، رسالة القيام بالتصحيح الضروري في كافة مجالات الثقافة والعلم في عصره، وذلك بالتصدي لوجوه الجمود والتقليد والتحريف التي كانت منتشرة والقيام بالتالي بإعادة بناء المعرفة في مختلف المجالات بالرجوع إلى الأصول وتجديد الفهم واعتماد البرهان العقلي فيما يكفي فيه النظر العقلي المجرد، والركون إلى ما تعطيه التجربة فيما لا بد فيه منها. (انظر كتابنا ابن رشد سيرة وفكرمركز دراسات الوحدة العربية، بيروت).

3 ابن رشدشرح أرجوزة ابن سينا.مخطوطة.

4 ابن رشدشرح الأرجوزةنفسهفي مقدمة "الكلياتيجعل الأقسام سبعةبإضافة التشريح والأدوية، الأول قطاع مستقل (علم التشريحيتسلم منه علم الطب بعض مبادئهوالثاني ميدان مستقل كذلك (علم الصيدلةتركيب الأدويةوسنرى بعد أنه يجعله مستقلا وسابقا على معرفة العلاج.

5 تشبيه علم الطب بعلم الملاحة البحرية واضح من كون علم الملاحة يشتمل على معارف نظرية تتناول البحر والموج والطقس والريح والاهتداء بالنجوم الخ، ولكن قائد السفينة يطبق هذه المعلومات والمعارف حسب الحالات الواقعية والتي تتغير حسب الظروف الزمانية والمكانيةوكذلك علم قيادة الجيوش يشتمل على معارف تتلقى في المدارس العسكرية ولكن قيادة الجيش في المعارك وتطبيق تلك المعارف الخ، كل ذلك يختلف من معركة لأخرى، وتلك هي حال الطب.

6 Claude Bernard, Introduction à l'etude de la médecine expérimentale, Librairie Delagrave. Paris 1920. pp. 5-7

7 ابن رشدشرح أرجوزة ابن سينا.

8 راجع في هذا الموضوع كتابناابن رشدسيرة وفكرالفصل 183

9 ترجمت هذه المقالة ضمن كتاب موسوعة تاريخ العلوم العربية، ج3. إشرافرشدي راشدمركز دراسات الوحدة العربية بيروت. 1997. ص 1225. هناك مراجع أخرى حول حضور فكر ابن رشد في أوروبا أصبحت قديمة متجاوزة مثل كتاب رينان "ابن رشد والرشديةالخ، ومن الكتب الجديدةكتاب جماعي صدر في1995 دار النشر Le Seuil تحت عنوان Histoire de la pensée médicale en Occident ، وكتاب مانفريد أولمان المترجم إلى الفرنسية سنة 1995 بعنوان La médecine islamique.

10 ترجمت جل المؤلفات الطبية العربيةانظر لائحة مختصرة بأسمائها وتاريخ ترجماتها في المقالة المشار إليها أعلاه.

11 نفس المرجعص1237-1238

12 انظر كتابنابنية العقل العربيمركز دراسات الوحدة العربية بيروتص536