Ibn Rushd Fund for Freedom of Thought

محاضرات ابن رشد 4 ابريل 2018: الثقافة العربية المعاصرة من الوصف إلى التغيير: منظورات لسانية واجتماعية

المفكر محمد شاويش:

الثقافة العربية المعاصرة من الوصف إلى التغيير: منظورات لسانية واجتماعية

يقدم محمد شاويش تحليلاً لتركيب الثقافة العربية المعاصرة واتجهاتها الكبرى مستعملاً في تحليله منظورات لسانية واجتماعية ومن خلال نظرة جديدة لمفهوم "الحداثة" و "التقليد" يحاول الكاتب أن يثبت أن التيارات "الثورية" في هذا الفكر (التي انقسمت بين "قومية" و"اشتراكية" و "إسلامية") تلتقي في جانب خفي هو أنها تمثل الشكل العربي الخاص من الحداثة وإن كانت تنقسم في خطابها المعلن بين من يريد العودة إلى الماضي ومن يريد التطابق مع الحداثة في شكلها الغربي.

ستناقش المحاضرة السؤالين:

  • كيف يجب أن نصنّف المكوّنات الأساسية للثقافة العربية؟
  • إلى أي درجة هي هذه المكوّنات "حديثة" وإلى أي درجة هي "تقليدية"؟ مثلاً: هل الإسلامانية "تقليدية تماما" وهل الحداثانية "حداثية تماماً"؟

محمد شاويش فلسطيني مولود في سوريا في دمشق عام 1961 يكتب في مجال نقد الثقافة العربية منذ عام 1989.

صدر له من الكتب:

  • علم نفس الشخصية المستلبة (مبادئ علم التحليل النفسي الطبقي) (بالاشتراك مع حسين شاويش -طبعتان: 1995-2016)

  • نحو ثقافة تأصيلية -2007

  • نهضات مجهضة - 2007

  • مالك بن نبي والوضع الراهن 2008

  • المنهج المقاصدي عند القرضاوي- 2009

  • من فتى؟ عن الوعي المناسب لمجتمع في خطر- 2015

  • "الثقافة العربية المعاصرة - من الوصف إلى التغيير" 2018

الزمان : الرابع من أبريل، في الساعة السابعة مساءً في Lettrétage.

Lettrétage, Mehringdamm 61, 10961 Berlin nahe U-Bhf Mehringdamm (U7 + U6)

في تركيب الثقافة العربية المعاصرة منظورات لسانية واجتماعية

محمد شاويش

محاضرة ألقيت في إطار "محاضرات ابن رشدمساء الأربعاء الرابع من شهر نيسان (أبريلعام 2018 في برلين.

أراد المنظمون لهذه المحاضرة في الأصل أن أتكلم عن كتابي الجديد "الثقافة العربية المعاصرة من الوصف إلى التغيير"، وهو كتاب مؤلف من ثلاثة أجزاءصدر الجزء الأول منه بالفعل بعنوان "من فتى؟ عن الوعي المناسب لمجتمع في خطرعن "أكاديمية العلم والسلم"- فوبرتالألمانيا في عام 2015. والجزءان الباقيان"تركيب الثقافة العربية المعاصرةو "دفتر المطريصدران قريباً في جزء واحد عنوانه هو العنوان العام للكتاب.

لكني بسبب محدودية الوقت سأجمل ما أراه نقاطاً أساسية في الموضوع، وأترك التفصيل لمن يحب أن يقرأ الكتاب.

1- في مفهوم "الثقافة".

كلمة "ثقافةهي كلمة جديدة في اللغة العربية، وقد اشتقها من الأصل العربي "ثقفثقافةعلى الأرجح سلامة موسى في مطلع القرن العشرين لتقابل الكلمة الإنجليزية Culture.

بهذه المناسبة أحب أن أذكر أن اللغة الفصحى المعاصرة هي إلى حد كبير نتاج للترجمة، فقد اشتق المترجمون للصحف والكتب الغربية منذ منتصف القرن التاسع عشر عدداً كبيراً من المصطلحات والتعابير الأجنبية، وهكذا ظهرت كلمات أو مفاهيم مثل "مجتمع" (وهي ترجمة للكلمة الأجنبيةالإنجليزية مثلاًSociety)و"عائلة" (Familyومثلها ألفاظ ومفاهيم كثيرة لا حصر لها مثل "حكومة"، "وزارة"، "طبقة اجتماعيةإلى آخره..

وبهذا أقول للجيل الجديد من الشباب الذين أتكلم معهملو أن أستاذنا الجليل أبو عثمان الجاحظ بعث حياً وفتح صفحة من جريدة الأهرام أو من المرحومة جريدة السفير، أو سمع نشرة أخبار من قناة الجزيرة فماذا ترونه سيفهم أو يعلّق على ما قرأ أو سمع؟ ولأذكر هنا أن مستويات اللغة كلها يمكن أن تكون في حالة "انحراف"عن العربية كما عرفها عصره، انطلاقاً من المستوى الصوتي نفسه، حيث يفترض الاختصاصيون فيما يسمى "اللغات الساميةأن انحرافاً في نطق أصوات العربية يمكن أن يكون حدث عبر القرون التي تفصلنا عن العصر العباسيفإن جئت إلى المستوى الدلالي فستجد أستاذنا وكبيرنا الجاحظ يعرف ولكنه ينكر ألفاظاً كثيرة هي عربية لكنها تسلك سلوكاً غريباً في السياقات التي ترد فيها!

وإنما ذكرت مولانا وقرة أعيننا أبا عثمان، لأنه كان من أكبر العقول اللغوية في تاريخنا، وأحسبه هو من أسس علوما نعرفها الآن مثل "علم الدلالةSemantics وغيره، وانظروا لتعرفوا ذلك كتابه "البيان والتبيّنالذي يغلب أن يكون عنوانه قرئ خطأ (فهم يقرؤونه ويكتبونه "البيان والتبيين").

وفي كتابي الجديد أستعمل كلمة "ثقافةبمعنى "الطريقة الخاصة لكل جماعة بشرية في التعامل بين أفرادها وبينهم وبين الطبيعة".

"الثقافةمن جهة تعني جملة القواعد التي تحدد أشكال التعامل بين البشر، وهو ما يكتشفه المهاجرون إلى البلاد الأجنبية حيث يرون أن أهل المجتمعات الجديدة يتعاملون بين بعضهم بطرق تخالف ما تآلفوا عليه، وهي من جهة أخرى تعني مجمل الطرق النوعية التي تميز جماعة بشرية محددة في تعاملها مع الطبيعة، فهي تتضمن مجمل الأدوات المنتجة لاستعمال الطبيعة في أغراض الجماعة ووفقاً لنظرتها، وهي تتضمن جملة المنتجات المادية.

وفي المجتمع العربي يميل العرب إلى تعريف الثقافة بأنها جملة المنتجات الذهنية (المكتوبة أو الملفوظةالتي تنتجها الجماعة (نثراً وشعراً، فلسفة وقانوناً ونصوصاً دينية وغير دينية، إلى آخره..). وأنا أحب استعمال الكلمة بمعناها الأوسع.

2- مفهوم "الحداثة":

أريد أن أتكلم عن التغيرات في العناصر المكوّنة للثقافة العربية بين عصرينما قبل الحداثة وما بعدها.

لهذا لا بد من أن أتكلم عن مفهوم "الحداثةبين الغرب والعرب.

كنت غالباً أسأل متكلمين عرب عن الحداثة: "ما هو عكس مفهوم "الحداثة""؟ ولم أكد أسمع من أحد منهم الجواب التالي: "عكس الحداثة هو "التقليد""! مع أن الحداثة في السياق الغربي توضع بالفعل هكذاإن الحداثة هي العصر الذي ترك فيه أهل الغرب التقليدولذلك تجليات في شتى مستويات البنية الاجتماعيةفي الاقتصاد والدين والسياسة والفكر والعلاقات الفردية بين البشر.

ثمة "موقف حداثياستجد بديلاً عن "الموقف التقليدي". "الموقف الحداثيهو موقف وقفته النخبة المفكرة في المجتمع يتلخص في أن هذه النخبة صارت ترى نفسها وحيدة إزاء العالم، وعليها أن تتخذ القرار بدون استناد إلى أي خبرات سابقة وقواعد راسخة سارت عليها الأجيال السابقة (وهي ما سمي "التقليد"). هذا الكسر مع تقاليد صارت تعد غير صالحة وغير جديرة بالاعتماد عليها يمكن تتبع أصولاً وعناصر كوّنته منذ بداية "عصر النهضةالأوروبي، وهو ما ليس من هدف هذه المحاضرة طبعاً، فلنكتف هنا بهذا الإيضاحتعرّف الحداثة بأنه القطيعة مع "التقليد".

لا بد هنا من الإشارة إلى وجهة النظر الشائعة عند الحداثانيين العرب التي تخلط مراحل الحداثة وتدمج مفاهيم مختلفة وتجعلها شيئاً واحداً، ومنها مفاهيم "التنوير"، و"العلمانية". وهي مكوّنات ثقافية مختلفة ظهرت في المجتمعات الغربية ولكنها لا تقترن بها الاقتران الميكانيكي الذي يفترضه المثقف العربي.

وحين سألت كثيراً من المثقفين عندنا: "ما هو عكس الحداثة"؟ كان بعضهم يجيب: "الحداثة عكس الخرافة"، وقد يصل بعضهم إلى الجواب التالي: "الحداثة هي عكس الدين"! وعلى هذا من غير الممكن تصور حركة فكرية متدينة وحديثة في الوقت نفسهوكثيراً ما ينسب الدين بأي شكل ظهر فيه إلى "التقليدو قد تضاف الأفكار التي تظهر في الحركات الفكرية المتدينة العربية إلى "الزمن الغابر".

لا ريب أن المواجهة الحالية مع الإسلامانية في العالم الإسلامي أثرت بشدة في هذا الموقف، ولعلكم تلاحظون تغيراً في تركيز الاتجاهات اليسارية العربية نجد إرهاصات له منذ السبعينات، لكنه تحول في التسعينات إلى ميل شديد الوضوحإذا كان اليساري القديم منطلقاً من الفرضية الماركسية القائلة بأولوية "البنية التحتية"على "البنية الفوقيةلا يعطي المواجهة مع الدين والأفكار الدينية أولوية خاصة، بل يقصر اهتمامه على البنية الاجتماعية الاقتصادية، فإن اليساريين منذ التسعينات أعادوا الاهتمام "بالتنويروصاروا يعدونه الرافعة الأساسية لأي تغيير اجتماعي حديثبل صاروا يدمجون كما قلت بين "الحداثةو "التنوير". ومن المميز عند المثقفين السوريين مثلاً أنهم يعدون تجربة الحداثة الفرنسية هي التجربة الغربية النموذجية (أو حتى الوحيدة).

لكني دعوت الشباب والكهول المتحمسين الذين يظنون أن التجربة الفرنسية هي وحدها "التجربة النموذجيةللحداثة أو التحديث (بمتضمناتها اللاحقة منذ الثورة الفرنسية من عداء شديد للدين ونزوع لاستئصاله من كل تجل له في الحياة العامةإلى العودة إلى تجارب أخرى مثل التجربة الألمانية أو الإنجليزية (أو حتى الأمريكية إن شئتم).

ويفيد هنا الاستشهاد بمنظّر شهير في علم الاجتماع المعاصر هو ماكس فيبر.

يرى فيبر أن ثمة توازياً بين نشوء البروتستنتية ونشوء "روح الرأسمالية" (هو لا يضع علاقة سببية بينهما على طريقة الماركسية: "البنية التحتيةتنتج "البنية الفوقية")، وهو يهتم خصوصاً بالفرقة الكالفينية التي يرى أن عقيدتها القائلة بأن خلاص الفرد الأخروي أمر لا علاقة له بأي أفعال صالحة يقوم بها في الدنيا، بل هو قدر محتوم سلفاً Prädestination أنشأت عند أتباعها رعباً كبيراً دفع أفرادها إلى البحث عن "علامةتشير إلى أنهم من المكتوب لهم الخلاص الأخروي، وهذه العلامة وجدوها في النجاح في العملوهو ما جعلهم ينظرون إلى الربح على أنه هدف بذاته (وليس وسيلة يرتجي منها الفرد مثلاً المتعة الدنيوية أو رفاهية الحياة)، وهو ما خلق عندهم الدافع إلى العمل مسترشدين بمبدأ البحث عما يحقق أقصى قدر من الربح ويخفض من الخسارة إلى أقصى حد، وهذا هو "الترشيدRationalisierung (والكلمة تترجم في العربية بمصطلح غير ملائم في اعتقادي هو مصطلح "العقلنة"). وهو المبدأ الذي يتتبعه فيبر في جوانب مختلفة من الحياة الاجتماعية ويرى أنه هو الذي صاغ الحياة الحديثة للمجتمع الرأسمالي الغربيوهو حين يبحث (البحث المألوف عند مفكرين غربيين كثر يريدون أن يعللوا "فرادةالتجربة الغربية في العالمعن أسباب عدم قدرة أنظمة دينية أخرى (مثل الكونفوشيوسية والإسلامعلى إنتاج الرأسمالية لا يبحث عن مدى "تنورهذه الأنظمة (هو لا يرى أصلاً أن الدين بحد ذاته يمنع ظهور الرأسمالية بل يسأل عن كل حالة: "ما هو السلوك الذي تقود إليه القيم الخاصة بالدين المعني من المنظور الاقتصادي"؟).

يضرب فيبر أمثلة على مبدأ الترشيد منها مثلاً "وصاياالسياسي والعالم الطبيعي والمفكر الأمريكي الشهير بنيامين فرانكلين لمن يدخل عالم المشاريع الاقتصاديةمنها مثلاً مبدأ يقولسدد ديونك في ميعادهاالسبب ليس أنه من "العيبأن تتخلف عن سداد الديون، أو أنك بذلك تنتهك محظوراً أخلاقياً متعارفاً عليه خارج نطاق عالم العمل والتجارة، بل السبب هو أنك عليك أن تحافظ على سمعة جيدة عند الدائنين ليستمروا في إقراضك!

ولعلكم ترون هنا الافتراق الكبير بين هذه الفرضية والفرضية "التنويرانيةكما أسميها، وهي حالة خاصة من "الفكرانية" (الاعتقاد أن الفكر هو السبب الوحيد للبنى الاجتماعية، وفيه تفسير نشوئها ووجودها)، إذ نشأ "روح الرأسماليةعند فرقة تطابق قليلاً جداً شروط المثقف العربي للحداثةكان مارتن لوثر لا يهتم بإيجاد تفسير عقلاني لنصوص الكتاب المقدس بجزءيه القديم والجديد، على العكسكان "أصولياًمن هذه الناحية (والأصولية المعاصرة Fundamentalism نشأت في الكنيسة البروتستنتية الأمريكية في بداية القرن العشرين). حداثة مارتن لوثر تتمثل في كونه وقف "الموقف الحداثيالذي وصفته قبل قليلموقف الفرد المجرد من أي إيمان بصلاحية التقاليد الموروثة أومقدرتها على أن تعينه على مواجهة العالملوثر ترجم النص ودعا المسيحيين إلى أن يتوجهوا إليه مباشرة ليعرفوا حقيقة المسيحية بالقفز فوق توسط المؤسسة التقليدية المتمثلة في البابا والكنيسة الكاثوليكية.

2- الثقافة العربية قبل عصر الحداثة وبعده:

أعرّف "الحداثةفي السياق العربي إذن أنها العصر الذي قررت فيه النخبة العربية المفكرة أن التقاليد فقدت صلاحيتها ومقدرتها على تحقيق الأهداف الملحّة للجماعة العربية (وأعني بها هنا وفي كل كتاباتي مجمل الناطقين بالعربية لغة وحيدة أو مع لغة ثانية كالأمازيغية أو الكردية أو التركمانية أو الشركسية أو حتى الأرمنية إلى آخره..). وهو ما أضع له لتسهيل البحث موعداً تقريبياً هو منتصف القرن التاسع عشر.

قبل عصر الحداثة وجد في العالم الإسلامي نمطان متكاملان من الثقافة: "ثقافة العامةوقد نسميها "ثقافة الشعب"، و "ثقافة الخاصةوقد نسميها "الثقافة العالِمة". الأولى هي ثقافة "العلماءو "الحكماء"، وكتبت باللغة الفصحىأما العلماء فهم حاملوا "العلوم النقليةالتي كانت تدرس في الجامعات الإسلامية الكبرى مثل الأزهر والقرويين والزيتونة والنجف في العراق عند الشيعة الاثني عشريةويلتحق بهم مجمل أهل الأدب والشعر الفصيح الذي يصعب على العامة نظمه لصعوبة لغته وقواعد بنائهوأما "الحكماءفكانوا المختصين بمجمل ضروب "الحكمةمن النصوص غير النقلية ومنها الفلسفة والطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والميكانيكا.

ومن الجوانب التي قلما تعد من الثقافة مع أنها جزء لا يتجزأ منها فيما أرى الموسيقى، وهي أيضاً كانت تنقسم إلى قسمينموسيقى عالِمة صعبة كما في موشحات مدينة حلب أو الموسيقى الأندلسية في المغرب، وموسيقى شعبية يسهل أداؤها ويستعملها العمال والفلاحون والحرفيون ومجمل الشرائح الشعبية.

سنجد أن هذين النمطين من الثقافة كانا في حالة تآلف لا عداء، ولكل منهما وظيفته ومجاله الاجتماعي الخاص.

ومع دخول الحداثة تحدّثت "الثقافة العالِمةبالتدريج لتظهر "ثقافة عالِمة جديدةفي الجامعات الإسلامية الكبرى والمؤسسات المماثلة، لكن علينا أن نلاحظ تراجع دور "العلماءفي المجتمع في مقابل ما قد نسميه "الحكماء الجدد" (مثل الفلاسفة والمختصين في العلوم الطبيعية والتقنية)، وفي المقابل تحدّثت "الثقافة العالِمةفي مجال الأدب مع تحديث اللغة العربية عبر العودة إلى "فصاحة العصور الذهبيةفي مقابل "ركاكة عصور الانحطاطفالشاعر الجديد (بدءاً من محمود سامي البارودي الذي يعد المؤسس "للكلاسيكية الجديدةفي الشعر العربي، أو بتعبير المنهاج الدراسي السوري "الاتباعية الجديدةحتى تلميذه أحمد شوقي ومن حذا حذوه)كف عن السير على خطا شعر العصر العثماني والعصر المملوكي المليء بالمحسنات البديعة والمهتم بالألفاظ أكثر من اهتمامه بالمعاني منتقلاً إلى احتذاء نماذج مأخوذة من العصر العباسي والأموي وحتى الجاهلي أحياناًوما جرى في الشعر جرى في النثر، فقد هجرت اللغة التي سادت في العصور المتأخرة وعاد الكتاب إلى استلهام نصوص الأدب العربي في العصر الذهبي (وشجع ذلك طباعة عدد كبير من كتب الأدب الكبرى مثل كتابات الجاحظ والأصفهاني وغيرهما). وسنرى عند كاتب مثل محمد المويلحي استلهامه لنمط المقامات عند الهمذاني والحريري ليكتب قصة مصرية جديدة تبحث في الأحوال الاجتماعية والسياسية في مصر المعاصرة.

وحتى اتجاهات رومنسية مثل اتجاه العقاد والمازني (مدرسة كتاب "الديوان") التي هاجمت شعر شوقي ومذهبه الأدبي لم تخرج عما أسميه "الثقافة المعياريةأي الثقافة المقبولة من الجماعة العربية في مجموعها.

بدأ الانشقاق وطلائع الحرب الأهلية الثقافية مع جيل لاحق صادر مفهوم "الحداثةلنفسه وأنكره على الاتجاهات الأخرى، وهو جيل تميز بما أسميه "المصادرة الثقافيةإذ أعلن أناس مثل أدونيس وآخرون أن كل ما سمي بشعر إلى الآن لم يكن شعراً، وإنما الشعر هو هذا الذي يكتبونه، ووصل بعضهم إلى أن يقول إن "العلماء"هم حصراً المختصون في العلوم الطبيعية، ولا حق لعلماء الدين في هذا اللقب، وهي مفارقة كما رأيتم، لأن لقب "العلماءكان يطلق على هؤلاء بالتحديد على حين كان المشتغلون بالعلوم غير النقلية يسمون "الحكماء".

وصارت كلمة "ثقافةوالكلمة التي اشتقت لاحقاً، في الخمسينات غالباً مع ترجمة الأدبيات الوجودية وهي كلمة "المثقفتطلق حصراً على أهل "الثقافة الحديثةبافتراض ضمني يقول إن كل ما لم ينتسب إلى أصل غربي فهو ليس بحديثوعلى هذا يكون أناس مثل الكاتب المسرحي سعد الله ونوس والشاعر محمود درويش والفيلسوف مطاع الصفدي (على سبيل المثالمثقفين ولهم علاقة مباشرة بالثقافة، على حين لا يكون أناس مثل يوسف القرضاوي، أو الطاهر بن عاشور "مثقفين". ولعلكم ترون هنا هذا الانقسام الطبقي الفريد في الثقافة العربية.

3- الأيديولوجيات العربيةحديثة أم تقليدية؟

نشأت الأيديولوجيات العربية الكبرى كلها في القرن العشرين، وفي أوقات متقاربة، ففي الثلاثينات رأينا ظهور الأيديولوجيا القومية العربية (مع مقدمات لها قبل ذلك)، والقومية السورية، والتنظيمات الشيوعية، والأيديولوجيا التي أسسها البنّا وتبلورت في المؤتمر الخامس للإخوان عام 1938 وأهم أفكارها الفكرة التي تقول: "الإسلام دين ودولة".

الذي يجمع هذه الأيديولوجيات كلها أنها حديثةوإذا كان العرب لا يختلفون عادة على حداثة القوميين واليساريين واللبراليين لأن مصدرهم الفكري غربي (وهو ما يلزم أيضاً أن نفهمه بشكل نقدي، لأن الأدق أن نتكلم عن "فهم عربي لأفكار غربيةلا عن "أفكار غربيةببساطة). فإن المعتاد أن ينسبوا من يسمون أنفسهم"الإسلاميينإلى التقاليد وما قبل الحداثة.

أفضّل تسمية الأيديولوجيا التي أسّسها البنا وذكرتها قبل قليل باسم "الإسلامانيين". اللاحقة المؤلفة من ألف ونون تستعمل عادة لوصف مدارس فكرية وفلسفية كما في "الشخصانيةو "الجوهرانيةإلى آخرهبهذا نتجنب محذورينالمحذور الاول هو القصد التحقيري عند من يسميهم "إسلامويين"، والثاني أن نقبل الالتباس المهم عندما نستعمل كلمة "إسلاميبمعنى ما هو منسوب إلى هذه المدرسة الفكرية السياسية، لأن في ذلك تضييقاً للصفة الأصلية "إسلاميوهي تصف كل ما يخص الإسلام كما في مصطلح "بلاد إسلاميةونعني به كل البلاد التي غالبيتها السكانية مسلمة، أو تعابير مثل "العمارة الإسلاميةونعني بها العمارة التي ميزت بلاد العالم الإسلامي كما في العمارة المملوكية مثلاً التي نقول عنها إنها "عمارة إسلامية".

وعلى هذا فإن ياسر عرفات مثلاً "قائد إسلاميحيث أنه منسوب إلى العالم الإسلامي ولكن إسماعيل هنية "قائد إسلامانيلأنه منتسب إلى هذا التيار الخاصوكما ترون يكون كل إسلاماني إسلامياً ولكن ليس كل إسلامي إسلاماني!

إن عدنا إلى تعريف الحداثة بأنها هي عكس التقليد، فسنرى أن الإسلامانية مثلها مثل الأيديولوجيات الأخرى أيديولوجيا حديثة لا تقليدية، ومن ينسبون الإسلامانيين إلى التقاليد لا ينتبهون إلى كونهم معادين للتقاليد بقدر لا يقل عن عداء الأيديولوجيات الأخرى لهاالتقاليد بالنسبة للإسلامانيين هي غالباً شيء مشبوه بأنه "منحرف عن الإسلام الصحيحأو "الإسلام من منبعه الصافي". وقد جربت مرة أن أدافع عن الأزياء الوطنية فتعامل الإسلامانيون مع دفاعي هذا بعداء لا يقل عن عداء أهل الأيديولوجيات الأخرى، ذلك أن الزي عندهم لا يجوز أن تحدده تقاليد البلد المعني بل يجب أن تحدده الشريعة!.

ومثال الحجاب هنا هو مثال دال كل الدلالة على ما تقدمكلمة "الحجاببما هي وصف لغطاء الرأس (أو أحياناً لمجمل "الزي الشرعي للمرأة") هي كلمة حديثة لم تستعمل بهذا المعنى قبل الستينات، ولم ينتشر "الحجابكما نعرفه انتشاره الكبير قبل التسعينات من القرن العشرينحتى قاسم أمين كان يستعمل كلمة "حجاب"على الأغلب بمعنى الوضع الذي كانت فيه المرأة المصرية في المدن الكبرى محجوبة عن المشاركة في الحياة العامةوتعلمون أن كلمة "الحجابفي القرآن تطلق على ساتر كان على المؤمنين أن يكلموا أمهات المؤمنين من ورائه.

"الحجابكما يرى أي عارف بأزياء نساء العالم الإسلامي ليس "زياً تقليدياًبل هو إن نظرت إليه بدقة زي حديث من أزياء النساء وإنما يتميز بتغطية الرأس والرقبة، وهو يخالف الزي التقليدي للمرأة المسلمة كما نعرفه في البلاد المختلفة كما في الزي التقليدي لنساء دمشق القديمة أو حوران أو السودان أو زي المرأة الشركسية إلى آخره..

وخروج الحجاب عن صفة الزي الوطني قاد إلى تسهيل التمييز العنصري ضد المحجبات في أوروبا بمعنيين شرحتهما في كتابات أخرىالمعنى الأول أن المرأة المسلمة التي لا ترتدي الزي الوطني التقليدي بل هي ترتدي زياً حديثاً مضافاً إليه هذه العلامة على انتمائها الديني وهي غطاء الرأس هي وحدها من طلب منها أن تتحمل تمييزها بعلامة فارقةعلى حين وفّر الرجل المسلم بانتهازيته على نفسه هذا الإزعاج حيث أنه يرتدي زياً حديثاً بدون علامة فارقة!

والأمر الثاني الذي سهّل اضطهاد المرأة المحجبة والتمييز ضدها كان إصرار المسلمين والمسلمات أن الحجاب علامة دينيةوحيث أن بعض البلاد مثل فرنسا، ولكن غيرها أيضاً، تمنع العلامات الدينية في المدرسة وربما في غيرها من الأماكن العامة، فقد منع الحجاب بهذا المعنىولم يكن من المتصور منعه لو كان في الأصل زياً وطنياً فيكون حكمه حكم أي زي وطني لا يمكن منعه تحججاً بحياد الدولة والمدرسة تجاه الدين!

تظهر بلاد مثل السودان معنى حداثة الإسلامانيين، فحزب الترابي الذي تغير اسمه عدة مرات في العقود الماضية كان وحده من بين ثلاثة أحزاب كبيرة متجاوزاً للبنى الاجتماعية التقليدية (مقارنة مع حزب الأمة الممثل لطائفة الأنصار والحزب الاتحاد الممثل للطريقة الختمية أومع أحزاب أخرى ذات سمة قبلية كما في الجنوب). وهو بهذا يقارن مع الحزب الشيوعي السوداني مثلاً.

4- الوعي المناسبنحو كتلة تاريخية عربية:

في ختام المحاضرة أشير إلى أني أدعو المهتمين بالشأن العام في الجماعة العربية (مجمل الناطقين بالعربية لغة وحيدة أو مع لغة ثانية بين المحيط والخليجإلى تبني "وعي مناسبلهدف تغيير البنى الداخلية بحيث تصبح مناسبة لغرض امتلاك الكفاءة في المنافسة والمغالبة الحضارية العالمية.

لا يدعي هذا الوعي لنفسه أنه حقيقة مطلقة مستقلة عن الزمان والمكان فهو ليس عقيدة دينية ولا أيديولوجيا جديدةهو رؤية واقعية لما يستلزمه الخروج من أسوأ هوة وقعت فيها الجماعة العربية، ربما منذ قرنين من الزمانوكما ترون يترابط هذا الوعي المناسب مع سلوك مناسب يجب أن تتبناه الجماعة العربية بغالبيتها ويبدأ من الشريحة الأوعى فيها.

ومن مكوّنات هذا الوعي "الوعي المطابقوأعني به المعرفة بحقيقة القوى المكوّنة للعالم والدوافع المحركة لسياساته وتركيب القوى المحددة لهذه السياسات.

من الوعي غير المطابق اعتقاد متدينين عرب جدد مثلاً أن العالم ينقسم إلى مسلمين وكفار، وظنهم أن الدوافع الدينية هي التي تحرك السياسة الغربية (وغير الغربيةوينتج عن انعدام المطابقة هذا نتائج وخيمة على كل سياسة عربية وتمنعها أن تكون رشيدة.

وبالترافق مع هذا الوعي المناسب أرى أن على الجماعة العربية أن توقف الحرب الأهلية الثقافية بين اتجاهاتها الفكرية  السياسية الكبرىثمة هدف مشترك هو الخروج بالجماعة العربية من عنق الزجاجة الحضاري، ولهذه النظرة التي تعيد المشكلة إلى البناء الحضاري للجماعة العربية (وهو البناء الذي يسمح بنجاح الفعل الاستعماري الخارجي مثلاًرائدان كبيران أذكرهما غالباً (وقد نجد غيرهما أيضاًوهذان الرائدان الكبيران هما مالك بن نبي الجزائري الذي رأى في مشكلة العالم الإسلامي وعالم الدول النامية مشكلة حضارية أساساً (كل كتبه لها اسم عام: "مشكلات الحضارة")، ومالك كان يرى أن الاستعمار هو نتيجة "للقابلية للاستعمار"، وياسين الحافظ السوري الذي كان يرى في هزيمة حزيران "هزيمة لكل معمار المجتمع العربيوليس للمستوى العسكري فقطوالذي أتبناه طبعاً عند الاثنين ليس أفكارهما التفصيلية بل طريقتهما في رؤية المشكلة.

من أنماط "الوعي غير المناسبالشائع عند العرب الآن ما أسميه "الوعي المقاوم الصِّرفوهو يرى أن الحل كله يأتي بالبندقيةوهذا الوعي يقود الجماعة إلى نكسات مستمرة، لأن الجماعة لا تفتقد إلى الشجاعة الحربية بل تفتقد إلى الأساس الحضاري الذي يجعلها لا تنهزم بالسهولة الخارقة التي جربناها في العصر الحديث.لم يكن الأمير عبد القادر مثلاً مفتقداً إلى الشجاعة هو أو جنوده لكنه هزم في النهاية لأن "مجمل المعمار الاجتماعيبتعبير ياسين الحافظ لم يكن كفئاً للمغالبة الحضارية، وبتعبير مالك بن نبيهزم عبد القادر لأن المجتمع كان "قابلاً للاستعمار"!.

صور من الامسية