|
الحرية الذاتية بقلم
أ . رابحة الزيرة ضمن فعاليات الملتقى العربي الثاني للتنمية
الإنسانية والذي كان تحت عنوان " الحرية الذاتية جوهر التنمية الإنسانية
" الذي أقيم في مملكة البحرين بتاريخ 7-8 ديسمبر 2005 ، قدمت الأستاذة رابحة
الزيرة - عضو قسم الدراسات والبحوث - ورقة جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية تحت
عنوان الحرية الذاتية، وكان هذا مجمل ما قدم فيها..
الحرية الذاتية هي أن يتمكّن الإنسان من ممارسة التفكير الحرّ
في قراراته، واختياراته، بعيداً عن النفس والتواءاتها وعقدها، وعن الأهواء والرغبات،
وعن سلطة الآباء والأجداد، وعن هيمنة المجتمع بأعرافه وتقاليده، وعن ضغط وسائل الإعلام
وتضليلها، وخارجاً عن أطر الأنظمة الفلسفية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية
الحاكمة، بعلم ووعي ودراية وإرادة لا بجهل وعصبية. فالحرية الذاتية كما تعبّر عنها
التسمية هي الحرية التي تقع تحت تصرّف الإنسان ذاته ينالها متى قرّر ويمارسها متى
شاء، كما أنّ ممارسة "التفكير الحرّ"، والخروج من سلطان النفس ومخالفة
إلحاحها لتحقيق أهوائها ورغباتها، والقدرة على امتلاك حرية القرار والاختيار، كلّ
ذلك يُعتبر من ثمار الحرية الذاتية. الحرية الذاتية، تساعد في الاختيار بشكل حرّ
وطوعيّ للمنهج والطريقة في الحياة. إن "التفكير الحرّ" الذي أشرنا إليه
هنا لا يعني حق "حرية التفكير" الذي يكفله القانون فإذا ما أُقيمت في وجهه
العوائق تعذّر وتعطّل، بل يعنى القدرة على ممارسة التفكير المنطقي، العلمي، السليم
من الأغاليط والأخطاء المنطقية والمتحرّر من الضغوط الخارجية والداخلية. بما أن الحرية الذاتية هي الحرية التي يملك زمامها الإنسان
نفسه فمعيقاتها - سواء الخارجية منها أو الداخلية - لا تشكّل إعاقة لحريّته طالما
لم يرضخ لها ولم يستسلم للضغط الذي تمارسه عليه، فهو إذن من يقرّر ويختار أن يجعلها
قيداً على حريّته أو يرفض ذلك. إن هذه المعيقات تتنوع بتنوع مصدرها، فمنها النفسي،
ومنها العقائدي، ومنها الفكري، ومنها المجتمعي، وقد اختلفت تسمياتها بناء على منشأها
أو آثارها أو نتائجها، فبعضها سُمّي "العقد النفسية"، وبعضها الآخر سُمّي
"الأصنام" بحسب الصنمية التي يمثّلها مثل "أصنام الذات" و
"أصنام القبيلة"، وأهل المنطق سمّوها "الأغاليط المنطقية"، والعرفاء
أو الروحانيون أطلقوا عليها عنوان "عراقيل التفكير السديد" فناقشوها من
بعدها الروحاني وأثرها على السعادة الدنيوية والأخروية واعتبروها "أخطاء في
التفكير" أو "خطايا"، فخلصوا إلى أنّ الخطأ والخطيئة لفظان لشيء واحد
يقع في مستويين، واعتبروا أن الإنسان الخاطئ هو إنسان ضلّ سبيل التفكير السليم، فإذا
ما فكّر بطريقة سليمة فسيتخلّص من خطيئته، وكلّهم اتّفقوا على أن بعض هذه المعيقات
أو كلها تتكاتف لتحول دون التفكير الحرّ والعلمي السديد. لذا فرغم أنّ ممارسة الحرية
الذاتية قرار شخصي يتّخذه الإنسان وقتما يشاء بملء إرادته ولا يمكن لأحد أن يمنعه
من ممارستها إلاّ أنها تواجه صعوبات معقّدة ومركّبه لها علاقة بنفسية الشخص واعتقاداته
وتجاربه وانتمائه وغير ذلك ما جعلها أبعد منالاً من الحريّة الموضوعية (الخارجية)،
نلخصها في ثلاث نقاط:
إن معيقات التفكير الحرّ كثيرة، ومتداخلة، بعضها ظاهر صريح
وكثير منها خفي مستتر، فإذا ما جنح بالتفكير إلى حيث الخطيئة أو الخطأ فمن الصعب
على المرء أن يشخّص أين حدث الخطأ ليقع على مكمن الداء، فأخطاء التفكير أو معيقات
التفكير الحرّ ليست نابعة من مصدر واحد بل يشترك فيها أكثر من نوع من هذه الأوهام
أو الأصنام. إن معظم هذه المعيقات تتداخل مع نفسية المفكّر ومعتقداته،
وبالتالي تتدخل مشاعره وعواطفه في استقامة تفكيره ما يجعل مهمته في تحرير عقله من
تلك القيود ليست باليسيرة، فتصبح مناقشة أو تخطئة الآراء التي يعتنقها، أو الأفكار
التي يتبنّاها بمثابة الإساءة إلى شخصه أو الحطّ من شأنه، فتبرز الأنا هنا لتكون
أكبر عائق لحرية التفكير، فتصبح التقاليد والأعراف قدس الأقداس ويكون الدفاع عنها
بمثابة الدفاع عن كيانه أو هويّته. فأن يقف الإنسان مناهضاً، ومشكّكاً، وفي أيسر
الأحوال محاوراً لذاته، ولأفكاره، ولمعتقداته، ولنواياه، ولأقواله، ولأفعاله لأجل
غربلتها وتمييز الطيّب من الخبيث منها ليس بالأمر الهيّن، بل بحاجة إلى الخوض في
أغوار ذاته بالتركيز والتأمّل ليكتشف ما خفي عنه منها.
إنّ من خصائص التفكير الحرّ أنه يجمع بين التفكير المنطقي
والسمو الأخلاقي وعليه فإنه يتطلب معرفة بالنفس ورياضتها، وخبرة بالطريقة العلمية
في التفكير ووعي ويقظة دائمين، بحيث يتمكن الفرد من التمييز بين الخير والشر أو الحق
والباطل فيرى الواقع كما هو بعيداً عن اسقاطاته الشخصية النابعة من الضغوط الداخلية
(كالأهواء والرغبات والمخاوف والمعتقدات) والقيود الخارجية (كقيود المجتمع المتمثّلة
في العادات والتقاليد والقوالب العقلية وغيرها)؛ تلك التي اصُطلح عليها لدى بعض الفلاسفة
والمفكرين باسم الأصنام الفكرية.
تُعرف الأصنام الفكرية بأنها مجموعة من الميول الذهنية والرغبات
الشخصية التي تعترض سبيل التفكير فينجم عنها خطأ في الاستدلال وبالتالي تؤدّي إلى
خطأ في النتيجة. ولعلّ أول من أطلق اسم (الأصنام) أو (الأوهام) على أنواع الأخطاء
التي يتعرض لها الإنسان في فكره وسلوكه أو الأخطاء الشائعة في العلوم هو المفكر الفرنسي
فرانسيس بيكون (1561-1626) في كتابة الأورغانون الجديد (novam
organum) وقدّ صنّفها إلى أربعة
أنواع من الأصنام: أصنام القبيلة (Idols of the tribe)، وأصنام الكهف(Idols of the cave) ، وأصنام السوق(Idols of the market) ، وأصنام المسرح (Idols of the theater). في هذه الورقة سنقوم بتصنيف المعيقات أو الموانع التي تمنع الإنسان
من ممارسة "التفكير الحرّ" إلى صنفين: معيقات ذاتية (الأصنام الذاتية)،
ومعيقات موضوعية (الأصنام الموضوعية) وتندرج تحت كل صنف من هذه الأصناف مجموعة أخرى
من المعيقات نفصّلها كالتالي:
أول هذه الأصنام وأقواها هو "صنم الذات"، لأن المصدر
الأصلي له هو النفس، وهذا ما يجعله قوي الأثر صعب الرصد وذلك لتداخله الشديد مع نفسية
المتفكّر، ولشدّة خفائه وهيمنته على عقليّته، ولقد عُبّر عنه بأسماء مختلفة مثل:
التمحور حول الذات، أو الشخصية، أو الذاتية. صنم الذات هذا متعدّد الألوان والأشكال
يتداخل مع الأصنام الأخرى إلى جانب تداخله مع مكوّنات النفس المعقّدة التركيب بما
تحويه من تراكمات الماضي، وما تختزنه في لاوعيها من تجارب، ما يجعل منه أكبر معيق
لتحرير العقل وبالتالي للحرية الذاتية. يتدخل "صنم الذات" في تفكير المرء
أحياناً لتفسير الواقع والوقائع بناء على نظرته الخاصة للأمور فلا ينظر إليها إلاّ
من كهفه الخاص وهذا ما عُرف بـ"صنم الكهف"، وأحياناً يقبل ويصدّق كلّ غريب
ومدهش مما يتّفق ويتناسب مع أهوائه ومنطلقاته الفكرية وهذا ما سُمي بـ"صنم الروعة"،
وأحياناً أخرى ينسج الحقيقة الموضوعية بخيوط من اعتقاداته الخاصة ووجهة نظره الضيقة
فيُسمي بـ"صنم العنكبوت"، فهذه هي أبرز أنواع الأصنام الذاتية.
أحد أصنام الذات التي تدخّلت كثيراً في تشكيل عقائد الأمة
وأثّرت على وعيها هو "صنم الروعة"؛ ويعني: تصديق المرء كل ما هو غريب أو
خارق للعادة بما يتناسب مع اعتقاداته وأهوائه ورغباته؛ وأمثلة ذلك كثيرة في الحوادث
والقصص الخرافية المدسوسة في ثقافة الشعوب قديماً وحديثاً يتناقلونها أباً عن جدّ
حتى أصبحت جزءاً من تراثها المقدّس الذي لا يقبل النقد أو المساءلة. هذه الخرافات
لم تكن لتُصدَّق من قبل الغالبية العظمى من أفراد المجتمع الواحد - جهّاله وعلمائه
- إلاّ لأنها تتّفق مع بعض معتقداتهم المغروسة في لاشعورهم الفردي والجمعي، وربما
لأنها تغذّي حاجة نفسية لديهم كأن تشعرهم بأنهم اختُصّوا بهذه الكرامة دون غيرهم
وخاصة إذا ما كانت ذات علاقة بشخصية أو حدث مقدّس بالنسبة لهم، وقد يكون تصديق قصص
كقصة "الشجرة الدامية" التي مفادها أن شجرة ما تنزف دماً في يوم العاشر
من محرّم من كلّ عام حزناً على الإمام الحسين (ع) استجابة لصنم الروعة لمن لا تكفيه
مناقب الإمام الحسين (ع) الأصيلة والحقيقية فيبحث عن الغريب العجيب من المبالغات
التي تضرّ ولا تفيد. ونجد هذا قريباً لدى بعض المسيحيين باعتقادهم في كذا حادثة غريبة
أنّ تمثالاً للعذراء مريم (ع) أو آخر للسيّد المسيح ينزف دماً أو يشخب بالدموع الجارية!
أما صنم الكهف (Idols of the cave) فيعني "ضيق الأفق" فلا ينظر المبتلى "بصنم الكهف" إلى الأمور إلاّ من وجهة نظره الخاصة، فيرى أن ما توصل إليه من علم هو الحق المبين الذي لا يمكن أن يجد فيه نقصاً أو عيباً ولا يمكن أن يُخطئ، فهو ينظر من كهفه الخاص الذي كونه لنفسه وجعله منظاره الذي يحكم به، أو "جحره الخاص" كما عبّر عن ذلك بيكون في تعريفه لأصنام الكهف مرجّعاً أسباب ذلك لعدّة أمور فيقول: ".. ويعود ذلك إما لطبيعة الفرد الخاصة، أو لمخالطته الآخرين، أو لتأثّره بأفكار وسلطة أولئك الذين ينظر إليهم بإجلال وإعجاب، أو لتباين الانطباعات وفقاً لوجودها في عقل مستحوَذ وذي ميول مسبقة..." . كل واحد من هذه الأسباب قد يُشكّل بحدّ ذاته صنماً ولكن يبقى مصدرها جميعاً واحد وهي (النفس)؛ فعلى سبيل المثال نجد أن مجتمعاتنا الذكورية تميل كلّ الميل للاعتقاد بأن المرأة أقل شأناً من الرجل، أو أنها ناقصة عقل ودين فيتجاهلون كلّ الحقائق والوقائع التي تفنّد هذا الاعتقاد ويتمسّكون بحديث أو حادثة تسند اعتقادهم هذا ويتصرّفون بناء على ذلك. فطبائع الإنسان وعاداته تقيّد بعضاً من تفكيره، وعلمه يقيّد بعضاً آخر منه، والآخرون ممّن يُجلّ ويُقدّس، والسبقيات والأهواء، وهكذا فإذا ما اجتمعت كلّها أو بعض |