|
الاستبداد الحداثي العربي:
التجربة التونسية نموذجا بقلم الدكتور رفيق عبد
السلام تهدف هذه الورقة البحثية إلى تسليط
الضوء على نمط من الاستبداد السياسي تواضعت على تسميته بالاستبداد الحداثي، والمقصود
بذلك تلك الحالة الاستبدادية التي
تؤسس شرعيتها على المدونة الحداثية السياسية، وتستعمل أدوات وأذرع سيطرة حديثة، علما
وأن هذه الظاهرة الاستبدادية لم تنل
ما يكفي من التحليل والتشخيص، وذلك
بسبب شيوع قناعة بين القطاع الأوسع
من المثقفين والحركيين السياسين العرب، مفادها أن ظاهرة الاستبداد السياسي التي تطبق
على العرب أنفاسهم وتحبس حرياتهم انما تعود إلى ثقل التأثيرات التاريخية وسيطرة الثقافة
السياسية التقليدية المنحدرة من المواريث الشرقية أو ما يعبر عنه عادة بالاستبداد
الشرقي، ومن ثم يكفي الانتقال من العالم التقليدي بهياكله ومؤسساته ووجوه شرعنته
السياسية والفكرية حتى يتم ولوج بوابة الحداثة السياسية وإحلال الديمقراطية. ما تريد
قوله هذه الورقة ليس تأكيد العلاقة
التلازمية بين التحديث والاستبداد، بل ما تريد قوله أقرب إلى النفي منه إلى الإثبات، نفي العلاقة الترابطية
بين التحديث والديمقراطية من جهة أولى، ثم لفت الانتباه إلى كون الانتقال
من العالم "التقليدي" إلى العالم الحديث لا يتساوق ضرورة مع التحررية السياسية
والتخلص من المكبلات الاستبدادية، كما أن هذه الورقة لا تروم المرافعة المجانية عن
التجربة التاريخية أو "الصور التاريخية" بحلوها ومرها بقدر ما تهدف إلى التخلص من النماذج الجاهزة والنظر
إلى الواقع الحي في مختلف شخوصه ومنحنياته المركبة. تتأسس هذه الورقة على مقاربة مفادها
أن ثمة ظاهرة استبدادية سياسية "جديدة" تشكلت في رحم التوسع الامبريالي
الغربي ومازالت تلقي بكلاكلها الثقيلة
على الواقع السياسي العربي، هذه الظاهرة كانت ومازالت تتغذى من أعطاب الدولة العربية الناشئة ومن الدعم والرعاية
الخارجيين، ومن يتأمل في واقع الحال ويرى
كيف تتخلق الدولة العربية بلحمها وعظمها في "العراق الجديد" وقبل
ذلك في فلسطين أو ما فيما تبقى من فلسطين يدرك فعلا درجة الترابط الوثيق بين آلية
الاستبداد وآليات السطرة الدولية في منطقتنا العربية. على أنني ألفت الانتباه هنا
أن إلى أن موضوع هذا البحث يتجه أساسا إلى تناول الحالة الاستبدادية العربية على
سبيل العموم، ولكن الغايات المنهجية والعملية اقتضت استدعاء التجربة التونسية بحكم معايشة ومتابعة صاحب هذه الأسطر
لأطوار هذه التجربة أكثر من غيرها، فضلا عما يبرز في الحالة التونسية من ملامح وعناصر استبدادية متغلفة بمطالب
وشغارات التحديث تناسب إلى حد كبير
المقاربة النظرية التي ذهبت إليها الورقة. الاستبداد في الخطاب اليوناني تحيل كلمة استبداد في الخطاب اليوناني إلى نمط محدد من علاقة
السيد بالمحيط المنزلي، فكلمة مستبد تنطبق على أب العائلة عامة، وسلطته لا تسمى استبدادية
من جهة علاقته بأزواجه وأبنائه بل من جهة علاقته بعبيده فقط. فالعلاقة الاستبدادية
عند أرسطو هي في جوهرها بين إنسان
حر وبين إنسان آخر قد حرمته الطبيعة هذه الحرية، والمقصود بالطبيعة في السياق اليوناني
عامة حالة الضرورة الاجتماعية التي تقتضي نمطا من العلاقات الهرمية تتوزع فيها الوظائف
والأدوار تناسبا مع نظام الحاجات والملكات الذهنية للأفراد قياسا على منوال التراتبية
الكوسمولوجية الكونية.[i][1] تتأسس العبودية في الخطاب اليوناني على شروط اجتماعية
وسياسية مستقاة من النموذج البيولوجي
ونظام الحركة الفيزيائية، فالنظام السياسي العادل في الفكر اليوناني هو االنظام الذي
يضع كلا من السادة والعبيد في مكانهم الطبيعي ضمن إطار وظيفي للأدوار تكون فيه الفئة
الأدنى اجتماعيا في خدمة من هم فوقها[ii][2]. فكما أن الأجسام الطبيعية تنزع تلقائيا إلى أماكنها وتتفاضل فيما
بينها بحسب مواقعها ضمن نظام الكوسموس (الكون المغلق) فكذلك الأمر بالنسبة لنظام
العلاقات الاجتماعية التي تتأسس بدورها على سلم تراتبي وتفاضلي للمواقع والأدوار
يحتل فيها الملك موقع الصدارة العلوية المنظمة والضابطة لشؤون المدينة بما يعادل
الدور الذي يشغله العقل الفعال باعتباره قوة منظمة لشؤون الحركة الكونية. فالملك
في الفكر السياسي الإغريقي ليس جزء من نظام المدينة ولا يشغل موقعا محددا ضمن الجماعة
السياسية بل هو قوة علوية خارقة ومتجاوزة لهما. كلمة استبداد إذن تحيل بصورة أساسية إلى حقل العلاقات المنزلية
ولا تحمل دلالة سياسية إلا على سبيل القياس، أي قياس العلاقات السياسية في المجال العام على منوال العلاقات المنزلية
المحلية. فالاستعمال اليوناني يسمح بالحديث عن حكم مستبد تقوم فيه العلاقات السياسية
على ضروب من الإكراه والتعسف بما يشبه العلاقات السائدة في الحقل المنزلي بين السيد
وعبيده داخل الحقل المنزلي. فقد ميز أرسطو بين الحكم الملكي وبين الحكم الاستبدادي
من جهة أن نظام الحكم الملكي ينشد –بصورة جوهرية- المصلحة المشتركة لكل من الحاكم
والمحكوم، في حين أن الحكم الاستبدادي ينشد بدرجة أولى مصلحة الحاكم المستبد ولا
تتحقق فيه مصلحة المحكومين إلا على سبيل العرض.وبالرغم من أن أرسطو قد احتفظ بخيط
التمييز الواضح بين الحقل المنزلي O iconomos
وبين الحقل السياسي Polis حيث اعتبر الأخير المجال
العام الذي تمارس فيه الفاعلية الحوارية بين مواطنين أحرار لإثبات هويَتهم الاجتماعية
كحيوانات سياسية، إلا أنه يقيم نوعا
من الربط التناسبي بينهما حيث يقيس أنماط الحكومات الاستبدادية على منوال العلاقة
بين السيد وعبيده في الحقل المنزلي.[iii][3] المنعطف الرئيس الذي أكسب مصطلح استبداد دلالة سياسية واضحة
هو الحروب اليونانية الفارسية، ففي أجواء المواجهة العسكرية بين الطرفين وقع تمديد
المصطلح للدلالة على الأوضاع السياسية لبلاد فارس والشعوب الآسيوية الأخرى المسماة
عند اليونانيين القدامى بالبربرية. ففي هذه المرحلة وقع ضرب من التقاطع الدلالي بين البربرية والاستبدادية في مجرى الخطاب
اليوناني، بمعنى أن الشعوب الواقعة خارج الفضاء اليوناني خصوصا، والأوروبي عموما والمنعوتة بالبربرية
عند أرسطو أصبحت تعرف بأنها استبدادية بالضرورة. فهذه الشعوب تنطبق
عليها صفة الاستبداد بالكامل بحكم
عجزها عن إدارة الشأن السياسي
بصورة عقلانية رشيدة فضلا عن كون الاستبداد
عندها حالة متأصلة في تقاليدها الاجتماعية، ولذلك وجب التعاطي مع هذه الشعوب تعاطي
السادة بالعبيد على ما يقول أرسطو. فالاستبداد عند الشعوب الآسيوية كما يقول أرسطو
هو استبداد بأتم معنى الكلمة ومرغوب فيه بالطبيعة وليس استبدادا عرضيا كما هو الأمر
لدى اليونانيين، فاالبرابرة والعبيد هما شيء واحد بالطبيعة ، لذلك وجب أن يكون مصير
هؤلاء البرابرة الآسيويين بين يدي السيد اليوناني لا يكونون في مكانهم الطبيعي والمناسب إلا كعبيد على ما يقول
أرسطو .[iv][4] شكلت اللحظة الأرسطية بداية التأسيس النظري لتمركز الوعي اليوناني
حول ذاته وقد كان ذلك مصحوبا بنوع من الإحساس المبهم بتمايز الجنس الأوروبي، ولكن ما التنبيه هنا إلى أن معنى الانتماء الأوروبي وقتها كان يختزل
في نقطة أثينا عاصمة الإغريق، أما آسيا فكانت تتجمع في بلاد فارس القديمة التي دخل
معها اليونانيون في سلسلة من الحروب الطاحنة. الاستعمال الحديث لمفهوم الاستبداد استعادت أوروبا الحديثة ابتداء من القرن الخامس عشر ما كان
مختزنا في المخيال اليوناني القديم عما يسمى بالاستبداد الآسيوي، مع دفع ذلك المخزون
إلى حدوده القصوى في مرحلة بدأت تتشكل فيها ملامح أوروبا ناهضة ومندفعة إلى التوسع
الخارجي، ففي هذه الحقبة تمت ترجمة مؤلفات الأوائل من فلاسفة اليونان فكانت جسر االتواصل مع الموروث اليوناني بأخيلته ومصطلحاته وأوهامه أيضا. ففي سنة
1489 قام المفكر الفرنسي أورسام Orseme
بترجمة كتاب السياسة لأرسطو، ثم ترجم من بعده في القرن اللاحق
(1576 ) الفيلسوف الفرنسي جون بودان فصولا من كتاب الجمهورية لأفلاطون. ابتداء من القرن السادس عشر مع جون بودان والى حدود القرن
الثامن عشر مع مونتسكيو أصبحت السلطة الاستبدادية تعني الملكية التعسفية la monarchie tyranique للدلالة
على الحد الأقصى من التسلط الذي يمكن أن تدركه أنظمة الحكم الفاسدة والمنحرفة حيث
يجانب الملك قانون الطبيعة ويعامل رعاياه معاملة العبيد لا المواطنين الأحرار.[v][5] اتجه مفكرو الغرب الحديث وفلاسفته السياسيون إلى تحديد عالمهم
السياسي والثقافي بالتعارض مع عالم الأتراك الذين كان ينظر إليهم باعتبارهم الآخر
الغريب، وقد تشكلت هذه الصورة النمطية للأتراك منذ سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين
الأتراك في القرن الخامس عشر وفي أجواء الاحتكاك العسكري بين الدولة العثمانية والممالك
الأوروبية المنافسة[vi][6]. وكان مكيافيلي من أوائل
من رسخ هذه المقابلة الثنائية في الوعي الغربي الحديث، فقد تعرض في موقعين من كتابه
الأمير إلى الحكم العثماني كنقيض مطلق للملكيات الأوروبية، ولما أسماه ببيروقراطية
الباب العالي كحالة متمايزة عن المؤسسات السياسية للممالك الأوروبية أين يوجد " سيد واحد يحكم كامل الإمبراطورية
العثمانية ويجعل بقية الناس عبيده، ويقسم مملكته إلى سناجق وينتدب عددا من الإداريين
للتحكم بالناس ويقوم بتغيير هؤلاء الإداريين أو يزيلهم حسب رغباته الخاصة…. فالكل
عبيده المرتبطون به" على حد قوله[vii][7]. من المعلوم هنا أن مصطلح استبداد قد أصبح أكثر رواجا في الخطاب
السياسي الغربي بدءا من القرن الثامن
عشر، وكان لمونتسكيو دور خاص في ترويج
هذا المصطلح وإعادة بعثه مجددا من المدونة اليونانية القديمة على حساب كلمة التعسف
(tyranny) التي كانت أكثر اشتغالا في الخطاب السياسي الغربي بسبب قوة الحضور
اليوناني القديم. لم تعد كلمة
استبداد في الخطاب السياسي للحداثة الغربية تحيل إلى حالة مخصوصة لحكومة معينة مثلا،
بل إلى نسق متكامل من الحكم السياسي يقوم في جوهره على الإكراه والتسلط المطلقين.
ومن هذه الناحية فإن الحكم الاستبدادي أوسع دلالة من مجرد وصف حالات محددة من التجاوزات
الفردية يقوم بها احاكم بعينه، لأن
كلمة استبداد تدل على جنس عام من أجناس
الحكم السياسي وليس على مجرد حالة عينية تخص بعض تجاوزات هذه الحكومة أو تلك.[viii][8] الاستبداد كما عرفه مونتسكيو هو ذلك الحكم الفردي
المطلق الذي لا يخضع لعملية ضبط
أخلاقي أو رقابة دستورية، ويتأسس في جوهره على أهواء الحاكم ونزوعاته الشخصية. وتنبني
شرعية هذا النمط من الحكم أساسا على الخوف، ولذلك في حالة غياب هذا العنصر يتداعى مجمل البنيان السياسي للسقوط
على ما يذكر المفكر الفرنسي[ix][9].أعاد مونتسكيو تفعيل كلمة استبداد من القاموس الإغريقي القديم للدلالة
على الأوضاع السياسية المستجدة في أوروبا الحديثة، فبعد تفكك الممالك الأوروبية المتناثرة
بدأت تتشكل الكيانات القومية ومعها اتجاه نحو الإطلاقية والمركزة الشديدة للحكم،
وبذلك استخدم مونتسكيو ما أسماه
بالاستبداد الآسيوي كنموذج مكثف للدلالة على الانحرافات السياسية التي أصبحت تتهدد الممالك الأوروبية في حد ذاتها ومن
ثم إمكانية تحولها إلى حالة آسيوية مستبدة. ميز مونتسكيو بصورة جوهرية في كتابيه
"روح القوانين" و "رسائل فارسية" بين ما أسماه بالحكومات الملكية
القائمة على رقابة دستورية ومؤسسات مدنية وسيطة وبين الحكومات الاستبدادية الخاضعة
لأهواء الحاكم ورغباته الفردية دون أي وسائط سياسية مدنية كما هو الأمر في بلاد فارس
التي استخدمها نموذجا مجسدا للحالة الاستبدادية، ولتأكيد التمايز المطلق بين أشكال ممارسة الحكم في الفضاء الأوروبيي وبين العالم الآسيوي المطابق ضرورة للحكم
الاستبدادي[x][10]. فحتى وإن بدت بين هذين النمطين
من الحكومات (الحكومات الأوروبية والآسيوية) بعض أوجه التناظر والتشابه في بعض المنعطفات
التاريخية الجزئية فإن هذا لا يزيل خط التمييز الواضح والقاطع بينهما بحكم التمايز
الجوهري على مستوى الفضاء الجغرافي والثقافي. من المعلوم هنا أن إحدى المعضلات الكبرى التي واجهت الفيلسوف الفرنسي في
معرض تأسيسه لمقولة الاستبداد الآسيوي هي الإحراجات التالية: إذا كان الاستبداد حالة
مناقضة للطبيعة مثلما أكد مرارا مونتسكيو فكيف يمكن للشعوب الآسيوية أن تتعايش مع ظاهرة مناقضة
للقانون الطبيعي؟ وإذا كان الناس متساوون بالطبيعة فعلا فكيف يمكن لهذه الشعوب الآسيوية
أن تخضع لحكم استبدادي لا يعترف بهذه المساواة؟[xi][11] حاول مونتسكيو التغلب على هذه الصعوبة
بالاستنجاد بالطبيعة الفيزيائية والجغرافية التي تجعل الشعوب الآسيوية متعايشة ومتساكنة
مع الحكم الاستبدادي دونما اعتراض أو مقاومة. بمعنى أن هذه الطبيعة الفيزيائية والجغرافية
قد أكسبت هذه الشعوب على حد زعمه طبيعة ثانية جعلتها منقادة طواعية للحكومات الاستبدادية،
على عكس الشعوب الأوروبية التي بقيت محافظة على طبيعة نقية ورافضة للحكم الاستبدادي[xii][12]. فإذا كانت الشعوب الأوروبية قد
خضعت في مراحل محددة من التاريخ الحديث لرهط من الحكام المستبدين إلا أن ذلك
لم يجردها من ملكة التمييز بين الحكومات الديمقراطية القائمة على العقل وبين الحكومات
الاستبدادية المستندة إلى الخوف، في حين أن الشعوب الآسيوية قد تطبعت بأنواع الحكومات
الاستبدادية ومن ثم منحتها شرعية كاملة. يبدو أن وجوه الإضافة والجدة التي أدخلها مونتسكيو على كلمة استبداد المنحدرة من الموروث الإغريقي القديم تتمثل في بعدين رئيسيين: أولا ضخ هذه الكلمة بسياسية واضحة على حساب دلالتها المحلية المنزلية التي كانت راجحة في الحقبتين الإغريقية والرومانية الوسيطة، ثانيا تنزيل هذا المصطلح على الأوضاع السياسية لأوروبا القرن الثامن عشر المطبوعة بأجواء الدول القومية الإطلاقية، ومن ثم إعطائه صلاحية عملية تتجاوز حدود تداوله الفلسفي الم |