التعذيب وضحاياه ودور مركز ضحايا التعذيب في برلين

بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا

التعذيب الذي يصادف 26/6/ من كل عام

د. حامد فضل الله*

 

سأعالج في هذا المقال وبصورة موجزة ثلاث قضايا أساسية, وهي:

1. تغير وتفاقم الأسباب الكامنة وراء ممارسة التعذيب ضد الإنسان

2. موقف لائحة حقوق الإنسان والمواثيق والعهود الدولية من التعذيب

3. أساليب التعذيب الجسدي والنفسي ومركز معالجة ضحايا التعذيب في برلين

وفي بحث لاحق سوف أعالج موضوع التعذيب في دول الشرق الأوسط وعواقبه على شعوب المنطقة.

 

1. تغير وتفاقم الأسباب الكامنة وراء ممارسة التعذيب ضد الإنسان

يؤكد تاريخ البشرية إلى أن الإرهاب وممارسة التعذيب بمختلف أنواعه قد لاحق البشرية على مر العصور وعانت منه جميع الشعوب. إلا أن أساليب التعذيب الرهيبة, سواء ألجسدية منها أم النفسية, لم تصل في وحشيتها إلى الدرجة التي بلغتها في القرن العشرين والسنوات الأولى من العقد الحادي والعشرين, حيث  أصبح تعذيب الإنسان وسيلة لتدمير شخصية وكرامة الضحية مع التعمد بإصابته بخلل وعاهات جسدية ونفسية مزمنة ترافقه الى نهاية عمره إن لم يكن قد مات تحت التعذيب. لم يبق التعذيب منحصرا في فئة خاصة أو جماعة معينة من الناس، وإنما أخذ يشمل الأطفال والعجائز والنساء والحوامل والمرضى والأصحاء والمتهم والبريء دون مراعاة أي نوع  من الاعتبارات الإنسانية  أو العقائدية أو الدينية.

أما الغاية من التعذيب وأهدافه فقد بقيت في ثابتة دون  تغيير كبير رغم مضي قرون  وقرون على ممارسته.

 

ومما هو جدير بالذكر أن التعذيب ابتداءً من الفراعنة والبابليين ومروراً بقدماء اليونان والرومان ووصولاً إلى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في القرن الثاني عشر قد أستخدم أساسا لانتزاع الشهادات والاعترافات والمعلومات عن الأعداء (في الحروب) ومعاقبة مرتكبي الجرائم الكبرى وأحيانا للتسلية أثناء الاحتفالات بالأعياد الكبرى, بما فيها رمي الإنسان للصراع ضد الحيوانات المفترسة. ثم تطورت أساليب التعذيب ابتداءً من القرن الخامس عشر حتى القرن السادس عشر لتصبح رسمية ومصرحّا بها للحصول على الأدلة اللازمة لإدانة المتهم حتى إذا كان بريئاً.

كتب انطونيوس ماتيوس الثاني في هذا الصدد ما يلي:Antonius Mathaeus 2   (16011654): "رغم أن التعذيب ليس هو الأسلوب المشروع والمتفّق مع القانون الإلهي والقانون الطبيعي للاستدلال عن الحقيقة إلا أنه من الواضح والثابت أن ذلك الدليل الخطير والمزيّف كان مسموحا به في قانوننا المدني".

 

وكان عالم الآداب والفيلسوف والمربي الإسباني جوان لويس Juan Luis  قد عبّر سابقا فلسفيا عن التعذيب من حيث آلامه وانتهاكه للقوانين وقال: "إننا نعذّب البشر حتى يموتوا بدون ذنوب، رغم أن ذلك يؤلمنا أكثر من موتهم".

وكان الغرض آنذاك تماما مثل الآن ليس الوصول إلى الحقيقة ، بل تزوير الحقيقة ، وذلك ما قاله سيساروCicero   بوضوح: "إن هدف التعذيب ليس هو البحث عن الحقيقة ، وإنما إرغام المعذّب على الإدلاء بشهادة مزّورة".

 

وعلى عكس العصر الحالي، فان الضحايا في الماضي كانوا في غالبيتهم جنودا وأسرى حرب وعبيد ومجرمين عتاة. أما المبادئ والمعتقدات فيبدو أنها في الماضي لم تكن من دوافع التعذيب، فلهذا من الممكن اعتبار يوحنّا المعمدّان والمسيح عليه السلام كمثال من أوائل ضحايا التعذيب آنذاك لأسباب روحانية فلسفية، أما في القرون التي أعقبت فقد كثرت التقارير حول التعذيب لأسباب عقائدية في كثير من البلدان. وقد وصل التوسّع في استخدام وسائل التعذيب عن طريق مؤسسات الدولة الى ذروتها في القرن الثاني عشر،حيث تم تقنينها على نطاق واسع أثناء محاكم التفتيش  Inquisition    بواسطة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

وقد استمر ذلك الوضع كما هو حتى القرن الثامن عشر، عندما اندلعت الثورة الفرنسية حيث وضعت حدّا للتعذيب رسمياً على الأقل في أوروبا. وكان تتويج تلك الفترة متمّثلا في إصدار أول "إعلان لحقوق الإنسان" عام 1789، الذي أصبح بمقتضاه الممارس لعملية التعذيب مجرما تنفّذ فيه عقوبة الإعدام بالمقصلة.وقد كانت الحربان العالميتان, وخاصة الثانية, تعمل على إحياء التعذيب في ألمانيا النازية كأداة في يد الدولة ضد الجماعات العرقية والدينية والايديولوجية. وقد وصلت الوحشية في ذلك الوقت حدّا ليس له مثيل في تاريخ البشرية- وقد استعمل التعذيب الحديث المتطوّر على مستوى تكنولوجيا عالية ليس فقط للأغراض التقليدية مثل انتزاع الشهادات والاجبار على الاعتراف، بل من أجل التحطيم المنظّم للضحية وإبادتها أحيانا غير قليلة.

 

2. موقف لائحة حقوق الإنسان والمواثيق والعهود الدولية من التعذيب

بسبب تفاقم أساليب التعذيب واتساع عدد الدول التي تمارسه وتنامي عدد الضحايا التي تعاني من وطأته رغم صدور لائحة حقوق الإنسان في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1948, فأن المجتمع الدولي وجد نفسه ملزماً بإصدار "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية أو المهينة" بتاريخ 10 كانون الأول/ديسمبر 1984 وفق القرار 39/46 , حيث تحددت فيه آليات تنفيذ مناهضة التعذيب وإساءة المعاملة. جاء في لائحة حقوق الإنسان النص التالي: "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة"[1]. إذ أن التعذيب يعتبر انتهاكاً لحقوق الإنسان ومحرم تحريماً كلياً في القانون الدولي ولا يخضع للاجتهاد وتعاقب الجهة التي تمارسه. ومع ذلك وبعد مرور أكثر من خمسة عقود ونيف على لائحة حقوق الإنسان و21 عاماً على صدور قرار آليات تنفي بنود اللائحة بشأن التعذيب وسب إيقافه, فأن تقارير الأمم المتحدة الصادرة عن اللجنة الدولية لحقوق الإنسان و تقارير منظمة العفو الدولية والتقارير الإقليمية والمحلية تشير إلى أن التعذيب يجري اليوم في أكثر من مئة دولة في جميع أرجاء العالم. وأن جميع دول منطقة الشرق الأوسط, ومنها العراق, دون استثناء تمارسه بقسوة بالغة وبأشكال كثيرة. ولا يقتصر التعذيب على سجناء الرأي والعقيدة والمذهب والدين فحسب, بل يشمل المتهمين بجرائم الحق العام كالقتل والنهب والسلب واللصوصية وقضايا الاعتداء والاغتصاب الجنسي ... الخ. ولم تهتد الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية التي تهتم بمسألة التعذيب إلى السبل القويمة التي تساعد على منع ممارسة التعذيب في العالم, إذ لم تقتصر ممارسة التعذيب وإساءة المعاملة على الدول النامية فحسب, بل تشمل الدول الصناعية المتقدمة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا واستراليا وغيرها من الدول التي قطعت شوطاً مهماً في تطوير الحضارة الحديثة ومبادئ حقوق الإنسان. وليس أدل على ذلك تلك الفضائح التي كشف عنها النقاب في سجن أبو غريب على مقربة من بغداد حيث تم تعذيب الموقوفين والإساءة إليهم وإلى كراماتهم بغض النظر عن التهم الثقيلة الموجهة لأي منهم. وكذا الحال بالنسبة إلى معتقل غوانتنامو حيث يوجد هناك مئات المعتقلين الذين تجري معاملتهم بصورة غير إنسانية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. إن من يشجب الممارسات اللاإنسانية في أي مكان في العالم يفترض فيه أن يمارسها أيضاً وإلا فمصداقيته تسقط تماماً أمام أنظار الشعوب. والمهمة التي تواجه المجتمع الدولي وكافة الشعوب تتمحور في هذا المجال في إيجاد آلية أكثر صرامة وأكثر قدرة على تحقيق المنشود وتحريم التعذيب في كل مكان من أرجاء المعمورة بغض النظر عن طبيعة النظم القائمة والدولة التي تمارسها..   

 

ولا شك في أن وجود مراكز لمعالجة ضحايا التعذيب في أكثر من دولة في العالم يمكن أن يساعد لا على معالجة ضحايا التعذيب وإساءة المعاملة فحسب, بل وفضح العواقب الوخيمة للتعذيب على الإنسان والدول التي تمارسه والإجراءات التي يمكن اتخاذها لوضع حد لكل ذلك. كما يفترض أن لا يقتصر التحريم على التعذيب ذاته, بل يمتد إلى تحريم بيع الأجهزة والأدوات التي تنتجها الدول الصناعية وغيرها وبيعها إلى الدول الأخرى التي تمارسها. فالكثير من وسائل التعذيب يتم استخدامها الآن بأساليب أكثر تطوّرا في بعض مما يسمى ببلدان العالم الثالث دون رادع وعلى نطاق أوسع ضد أصحاب المعتقدات السياسية المختلفة وجماعات إثنية معينة وضد شعوب معينة بأكملها. إن عملية نقل التكنولوجيا في إطار ما يسمى بمساعدات التنميةEntwicklungshilfe   والتعاون التقني وعن طريق بعض الشركات الخاصة تؤدي إلى تجهيز السلطات الحاكمة في تلك البلدان بالوسائل الفنية الحديثة وتزويدهم بالمدربين الأخصائيين لإنتاج وسائل التدمير(الغازات السامة مثل غاز الخردل وغاز الأعصاب والأسلحة البيولوجية) وتدريب القائمين بالتعذيب، مما يخلق وضعا يفوق قدرة وإمكانيات الهيئات والمؤسسات الصحية والطبية المحلية في الوقت الحاضر وفي المستقبل البعيد. إن آثار الوسائل الحديثة للتعذيب تشمل في معظم الأحيان كل أعضاء الجسم فهي تسبّب في الغالب الأعم أضرارا مباشرة تؤدي حتما إلى إصابة الضحية بالعجز إذا لم تتوفّر له وسائل العلاج الطبي الشامل والرعاية الطبية المركزّة. ورغم أن الشفاء التام في غالبية الأحيان غير ممكن، إلا انه يبدو في حالات كثيرة إمكانية علاج واسعة النطاق مع تحسّن ملموس، وذلك ما توصلت إليه وحققته خبرات بعض مراكز معالجة ضحايا التعذيب في أوروبا وأميركا.

 

3 أساليب التعذيب الجسدي والنفسي ومركز معالجة ضحايا التعذيب في برلين

طبقاً لتقارير مفصلّة تعتمد على فحوص طبية دقيقة في بعض تلك المراكز (وخاصة مركز تأهيل ضحايا التعذيب المشهور في كوبنهاغن[2]
CT: Rehabilitation Center for Torture Victims) ) فانه يظهر عند الضحايا إضافة إلى الأعراض التقليدية مجموعة أخرى من الأعراض المشتركة بصرف النظر عن نوع ومكان التعذيب، مما يطلق عليها اسم متلازمة ومتزامنة مع التعذيب  Folter-Syndrom. ويرجع ذلك بصورة عامة إلى حالات الاضطراب والخوف والضغط النفسي الهائل التي تعاني منها الضحايا. وتجدر الإشارة إلى أن حد ومدى بعض الأعراض, إضافة إلى معالجة المضاعفات, تختلف باختلاف أصل ووطن الضحية. ويبدو أن هذه الظاهرة ناتجة عن مكونات إثنية واجتماعية وحضارية،