|
رؤية ابن رشد الفلسفية للعالم د. محمد المصباحي زاول ابن رشد، كما هو معروف، عدة أنشطة فكرية وعملية متباينة. فقد اشتغل بالفقه
والقضاء والطب، ومارس التأليف والشرح والجدال مع خصومه وأصدقائه، غير أن صورة
الفيلسوف تبقى حاضرة وراء كل هذه الصور الفكرية والعملية المتنوعة، فما ملامح
هذه الصورة؟ نعتقد
أن صورته الفلسفية تتشكل من ثلاثة عناصر أساسية، أولها إيجابي يدعو فيه إلى وحدة
الحق والعقل بين الفلسفة والشريعة ؛ والثاني سلبي يتعلق بإرادته في إبعاد القول
الفلسفي عن كل جاذبية خارجية تبعده عن مداره الخاص ؛ والثالث يخص الرؤية
الفلسفية التي كان يصدر عنها في تآليفه ونقاشاته المختلفة. لذلك سنعمل في
البداية على التذكير بدلالة الدعوة إلى وحدة الحق الشرعي بالحق الفلسفي، ثم
نتطرق في لحظة ثانية إلى دعوته لفصل العقل الكلامي عن العقلين الشرعي والفلسفي،
على أن نقوم في لحظة ثالثة على رسم صورة موجزة لرؤيته للعالم بوصفها رؤية اتصال
وحركة. تناوُلنا للموقف الفلسفي الرشدي سيكون، إذن، من خلال مقولتي
الإضافة والجوهر، أي من خلال علاقته بغيره وفي ذاته. أولا: وحدة الحق بالعقل ما استرعى انتباه ابن رشد في مشهد الحق والعقل في زمانه
هو تعرض دلالتهما لعوامل التعدد والاختلاف، إن لم نقل لمظاهر التقابل والتضاد. ولعل
أشهر الصور التي تشعب إليها الحق، صورة الشريعة من جهة وصورة العلم والفلسفة من
جهة أخرى ؛ وأشهر صور انشقاق العقل صورة العقل الكلامي وصورة العقل العلمي-الفلسفي.
لم يتردد ابن رشد في تشخيص هذا الانشقاق الدلالي بكونه حالة مرضية تقتضي العلاج.
فاقترح علاجا يكون في مرحلتين تقتضيان مقاربتين متقابلتين، مرحلة أولى تتبنى
مقاربة التوحيد بين الحكمة والشريعة، ومرحلة ثانية تلجأ إلى مقاربة فصل علم
الكلام عن كل من الحكمة والشريعة. المرحلة الأولى تقتضي الاعتراف المتساوي بأن الحكمة
والشريعة كلاهما حق. وفي هذا السياق أتى شعاره الشهير ’الحق لا يضاد الحق‘، الذي
أراد من ورائه إثبات أن الحق الذي ينتجه العقل البشري بوسائله الخاصة لا يمكن أن
يتعارض مع الحق الآتي من السماء، لأن الحق
واحد ولا يمكن أن يضاد نفسه. لكن ليس معنى ذلك أن أبا الوليد كان يبحث عن مكان
ما للفلسفة داخل منظومة العلوم الإسلامية، كما فعل الفارابي، وإنما كان غرضه
إثبات حق العقل في أن يؤسس مجاله المعرفي الخاص به، المستقل بأدواته ومناهجه وموضوعاته عن مجال العلوم الشرعية، دون أن يمنع ذلك من التعايش معها في نفس الفضاء
الفكري. ولعل حرصه على تميز واستقلال القول الفلسفي هو الذي كان وراء إصراره على
إبقاء النص الأرسطي شاخصا أمامه في شروحه على كتبه، وكأنه كان يريد عنوة أن
يحتفظ للنص الأرسطي بوضعيته كنص آخر. لم تكن الغاية من دفاعه عن الفلسفة، باعتبارها حقا مرادفا للحق الشرعي، إلغاء أحد الحقين لصالح الآخر، أو إثبات ازدواجية
الحقيقة، وإنما كانت غايته من ذلك إثبات أن الحقّين، الشرعي والفلسفي، ينتميان
إلى نفس الجنس، ويقصدان نفس الغاية. نعم، لا يمكن أن ننكر وجود لغة
الازدواج في كتابي فصل المقال ومناهج الأدلة، إلا أن هذا الازدواج يوجد فقط على
مستوى مُتَلقّي الحقيقة، وبالنسبة لجهة النظر إليها، لا على مستوى الحقيقة
ذاتها. ليست هناك
إذن علاقة تقابل وصراع بين العقل والوحي، أو بين الفلسفة والشريعة، وإنما توجد
علاقة إضافة، الأمر الذي نقل إشكالية العلاقة من مستوى التوفيق (الذي يقتضي بيئة
تقابلية) إلى مستوى الاتصال (الذي يوجد خاصة في مجال الإضافة). هكذا نضع أيدينا
على مبدأ جديد، هو مبدأ الاتصال، لينضاف إلى مبدأ وحدة الحق
لتأسيس نظرة فلسفية جديدة حول علاقة الحكمة بالشريعة، والعقل بالوحي. ومن الطبيعي
أن تقتضي وحدة الحق وحدة العقل. لكن لمّا كانت الشريعة تلجأ إلى استعمال الوسائل
الخطابية والشعرية، كالرموز والتشبيهات والمجازات، والقصص والأساطير، لكي يكون
خطابها عاما شاملا لكل الناس، وجب على الفيلسوف أن يؤولها، لكن لحسابه الخاص، لا
من أجل الجمهور. وهذا ما يفسر وجود لحظات تأويلية قوية في المتن الرشدي[i]،
إلا أنه تأويل تأويل برهاني، ينطلق من الفلسفة إلى الشريعة لا من الشريعة إلى
الفلسفة، أي ينطلق من مقدمات بينة بنفسها لغاية تحويل المجازات والاستعارات
والتشبيهات الشرعية إلى قضايا ومعارف علمية. وبهذا النحو تصبح الشريعة موضوع علم ومعرفة، لكن فقط بالنسبة لأهل البرهان، لأن تكييف الشريعة حسب لغة الفلسفة ومنهجها ورؤيتها للعالم يجعلها صعبة المنال بالنسبة لمن ليس أهلا لها. بيد أن الجمع
بين أمرين متقابلين، التأويل والبرهان قد يقود إلى صعوبة، وهي هل كان أن ابن رشد
كان يقصد التوفيق أو التوحيد بين العقلين التأويلي والبرهاني، لا أعتقد أنه كان
يقصد ذلك، وإنما كان يريد إخضاع التأويل قدر الإمكان لشروط العقل البرهاني حتى
ينتج معرفة علمية لا تطغى فيها الذات على الدلالة وتحولها لصالحها. التأويل
البرهاني يعمل إذن على الانتقال من ظاهر النص الشرعي إلى باطنه بما
يوافق شروط ومبادئ البرهان، مستغلا هذه المناسبة لإعطاء الكلمة للنص لكي ينطق
بالحق من دون تدخل الذات، أي دون إدخال للاعتبارات المذهبية والطائفية. بهذا النحو يكون ابن رشد قد أعرب عن إرادة فلسفية قوية،
تجلت معرفيا في كونه لم يشأ الاكتفاء بالاطمئنان إلى معرفته الشرعية التي تعتمد
على النقل والوحي، بل سعى للبحث عن وجه آخر للاطمئنان المعرفي، اطمئنان قائم على
الوسائل البشرية، على الحواس والعقل، ولسان حاله يقول « كما قال سقراط محتجا على أهل أثينا: ’يا قوم إني لست أقول لكم إن حكمتكم
هذه الإلهية أمر باطل، ولكن أقول إني حكيم بحكمة إنسانية ». كما تجلت إرادته
الفلسفية اجتماعيا في عدم الركون إلى مرتبته الاجتماعية الباذخة، وضعية قاضي
إشبيلية وقرطبة وإمام مسجدها الأعظم، ففضّل أن يجرب وضعية الفيلسوف الباحث،
القلق، المتسائل، المنتقد، الذي يحترف الكتابة ليل نهار، وضعية مفكر مهدد وملاحق
من قبل أعداء المعرفة والفكر. ثانيا : فصل العقل الكلامي عن
العقلين الشرعي والبرهاني كانت غاية
المرحلة الأولى لعلاج مشكل تعدد الحق والعقل تتجه إلى الجمع والتوحيد بين الحكمة
والشريعة، أي جر أحد الحقّين والعقلين إلى الآخر، عن طريق التأويل البرهاني
ليشكلا شيئا واحدا. أما المرحلة الثانية من علاجه لمسألة التعدد المذكور فتتخذ
مسلكا مضادا، وهو مسلك الفصل بدل الجمع، لكن ليس بين الشريعة والحكمة، ولكن
بصورتين من صورها، هما علم الكلام والتصوف. إن رهان هذه المرحلة هو التربص لخطر
تحوّل الفلسفة إلى غيرها، أي تحول الأونطولوجيا إلى تيولوجيا (علم كلام)، أو إلى
إنيولوجيا (علم التصوف). وقد
اقتضى مطلب إبعاد الفلسفة عن الانحرافين الكلامي والصوفي من ابن رشد أن يخوض
ثلاث معارك في وجه ثلاثة رموز للثقافة العربية الإسلامية : الغزالي وابن سينا بشكل مباشر، وابن طفيل بشكل غير مباشر. يمثل الغزالي
مفكرا جمع بين الذود عن التصوف أولا، والكلام ثانيا، والعداء للعلم والفلسفة ؛
ويمثل الثاني من هؤلاء الثلاثة الفيلسوف المتواطئ ضمنا مع علم الكلام والتصوف
أما ثالثهم فيمثل الفيلسوف الذي هاجر قارة العلم والفلسفة إلى رحاب ومنازل
التصوف. لقد برهن ابن رشد بصراعه في هذه الجبهات الثلاثة أنه كان يتمتع بشجاعة
فكرية كبيرة. ذلك أن توجيهه النقد للسلطة المرجعية للدولة الموحدية، أبو حامد
الغزالي، ومن خلاله إلى المؤسس الأول والمرجعية المباشرة لهذه الدولة، المهدي بن
تومرت لم يكن بالأمر السهل أبداً. كما أن تصديه
للتصوف، وهو يعرف حق المعرفة أن
صديقه وصديق السلطان ومستشاره، ابن طفيل الذي اختار الانتصار في
نهاية الأمر لطريق الذوق بديلا عن لطريق البرهان، يدل على أنه كان غير
عابئ بالعواقب التي كانت يمكن أن تترتب عن هذه المواجهة. كانت موضوعات صراعه مع الغزالي تدور في العمق حول
نظرته الكلامية للعالم، القائمة على حرمان الطبيعةَ والعقلَ من أي فعل خاص بهما، عندما أنكر مبادئ كالذاتية
والسببية، في مقابل القول بالعرضية والإمكان. إن من شأن هذه الرؤية الكلامية للعالم أن تنسف كل إمكانية لقيام علم عام للوجود، وعلوم خاصة بالطبيعة والعقل، مما يقضي على كل أمل حقيقي في المخاطبة والتقاول
والانفتاح على الآخر[ii]. وقد أعرب أبو حامد نفسه عن عدم حاجة العالم الإسلامي للعلوم الوضعية،
إلا في حدود ضيقة للغاية عندما تصبح فيها العلوم الوضعية خادمة لعلوم الشريعة
المتعلقة بالعبادة والمعاملة. وقد كانت الرؤية الكلامية أيضا وراء انتقاده لابن
سينا، حيث اتهمه بالخروج عن الخط الفلسفي في ثلاث مسائل أساسية على الأقل. أول هذه المسائل ذات طابع
ميتافيزيقي، وهي علاقة
الوجود بالذات ؛ والثانية ذات طابع أنثروبولوجي، وهي مسألة طبيعة
العقل الفعال ودوره في العالم ؛ والمسألة الثالثة ذات طبيعة إبيستيمولوجية تتصل بعلاقة العلم بالفلسفة وعلاقة العلوم فيما بينها. فبصدد المسألة الميتافيزيقية كان جوهر انتقاده لابن سينا يدور حول
إخضاعه نظرية الوجود للمنظور المنطقي، أي تحويله للإشكالية الوجودية إلى إشكالية
منطقية، الأمر الذي يؤدي في نظر ابن رشد إلى تحويل الفلسفة إلى علم كلام. ومن علامات إخضاع الرؤية الأونطولوجية للرؤية
الجدلية احتلال الإمكان مكان الصدارة في نظرية ابن سينا الفلسفية، مما آل به إلى فصل الماهية
عن الوجود، واعتبار هذا
الأخير عرضا للذات. كما أخذ على نظرية العقل السينيوية أنها وسّعت صلاحيات العقل الفعال الوجودية
والمعرفية إلى درجة صار معها هذا العقل واهبا للصور بالمعنيين المعرفي والأونطولوجي. وهو ما يفضي حتماً إلى
تعطيل الطبيعة والإنسان وسلبهما من فعلهما ومعقوليتهما الذاتية، فتصير الطبيعة
مجرد مناسبة لتدخل صوره، العقل البشري مجرد مطلع وقارئ للمعرفة في مرآة العقل
الفعال. أما نظريته
في العلاقة بين الفلسفة والعلوم الطبيعية، ففي نظر أبي الوليد لم يراع ابن سينا
فيها مبدأ الاستقلال المتبادل بين الفلسفة والعلوم، مما أدى إلى إخضاع العلوم
الطبيعية لعلم ما بعد الطبيعة، وليس العكس كما يذهب إلى ذلك ابن رشد. فأوكل
للفلسفة مهمة البرهنة على مبادئ العلوم التي تحتها، مما يهدد الاستقلال
الإبيستيملوجي للعلوم بعضها عن بعض. وقد انعكس هذا الطرح على الدليل على وجود
الله، حيث استهجن ابن سينا، على العكس من ابن رشد، استعمال الحركة – التي هي
موضوع العلم الطبيعي – في التدليل على وجود الله، بدعوى عدم شرعية البرهنة
بالعرض (الحركة) على الجوهر (الله)، مفضّلا أن ينطلق في البرهنة على وجوده من
على قسمة الجدلية للوجود إلى ممكن وواجب. *** أما انتقاده للتصوف فيبدو في الظاهر أنه أقل حدة من انتقاده
لعلم الكلام. ونذهب إلى أن السبب في هذه المرونة يعود إلى أن القول الصوفي لا
يعرب عن مطامع هيمنية واضحة في الاستحواذ على خطاب الشريعة، والإحاطة بكل أبواب
ومنافذ المعرفة النظرية كما هو الأمر بالنسبة لعلم الكلام، وإنما كان يقنع بحصر
مجال اهتمامه في هوامش الشريعة، وفي الجزء الأخير من مقالة اللام من كتاب ما بعد
الطبيعة، والجزء الأخير من الفصل الرابع من المقالة الثالثة والأخيرة من كتاب
النفس، والمقالات الأخيرة من كتاب الأخلاق إلى نيقاموخوس، أي في الأجزاء التي
تنظر في إمكان تجربة الاتصال أو الاتحاد بالمبدأ الأول. ولهذا لم يكن ابن رشد
يرى في القول الصوفي منافسا جديا للقول الفلسفي. ومع ذلك فقد انتقده (لكن بشكل
غير مباشر في الغالب) سواء من جهة الغاية التي ينشدها، أو من جهة الوسائل التي
يلتمسها للوصول إلى غايته، أو من جهة رؤيته للعالَم. فبالنسبة لغاية التصوف، لا
يمكن لابن رشد أن يقر بإمكانية الوحدة بالمبدأ الأول، أو حتى بإمكانية إدراكه
إدراكا مباشرا في هذه الحياة، لعدة أسباب علمية تتصل بنظرية العقل والمعرفة
وبنظرية الرؤية البصرية. وأقصى ما يسمح به ابن رشد للفيلسوف أن يبلغه في مسيرة
تعاليه هو الاتصال بالمبادئ المفارقة لا بالمبدأ الأول. ومن جهة الوسائل، يعيب
ابن رشد على تجربة التصوف أنها تظل حبيسة المستويات الحسية والعملية. فلا تستطيع
تجاوز عتبة الجسم والخيال بملحقاتهما المختلفة إلى عالم العقل بمعارفه وعلومه
النظرية. وهذا ما يُفقِد طريقة الصوفية الطابع العلمي الذي يستند
إلى مقدمات وأقيسة قائمة على مبدأ الضرورة. وبعبارة ابن رشد نفسه، إن
الصوفية « إنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شئ ُيلقَى في النفس
عند تجريدها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكر على المطلوب »، أي أن طريقتهم هي طريقة عملية قائمة على التطهير وانتظار المدد والعطاء
الإلهي الذي لا يخضع لأي حتمية أو معقولية. كما يعترض ابن رشد على الصوفية من
جهة الرؤية، ذلك أنها لا تقرّ بالسير الذاتي للطبيعة، وبقدرة الإنسان على الكشف
عن قوانينها، وإنما ترى في الطبيعة تجلي من تجليات الإله أو آية من آياته، لا يجوز
المساس بها أو العمل على فك أسرارها ورموزها بالوسائل العقلية. لكن بالرغم من هذه الانتقادات لم يعارض ابن رشد وجود التصوف نفسه، وإنما عارض إمكانه
وعواقبه الوخيمة على
استمرار العلم والدولة : «ونحن نقول إن هذه
الطريقة، وإن سلّمنا وجودها فإنها ليست عامة للناس بما هم ناس، ولو كانت هذه
الطريقة هي المقصودة بالناس لبطلت طريقة النظر، ولكان وجودها بالناس عبثا،
والقرآن كله دُعاء إلى النظر والاعتبار وتنبيه على طرق النظر»[iii].
لم يكن في نية ابن رشد إذن إقصاء القول الصوفي من المجال المعرفي الذي
يوجد بين الشريعة والفلسفة كما فعل مع علم الكلام، وإنما اعتبره غير صالح
للإنسان بما هو إنسان، أي بما هو حيوان عاقل، وبما هو مدني بالطبع. أما الإنسان
بما هو خارج عن الطبع، فقد يحركه شوق للاطلاع على أسرار وخوارق هذه التجربة
العجيبة. ويحتفظ لنا التاريخ بشهادتين بليغتين على تطلع ابن رشد نفسه للتأكد من
خبايا القول الصوفي، وهما شهادة عبد الرحمان بن إبراهيم الخزرجى وشهادة محي الدين ابن عربي. فقد روى الخزرجى عن ابن رشد « قال بَعَثني أبو الوليد بن رشد من قرطبة، وقال
لي إذا رأيت أبا العباس السبتي بمراكش فانظر مذهبه وأعلمني به. قال فجلست مع السبتي كثيرا إلى
أن حصلت مذهبه، فأعلمته بذلك، فقال أبو الوليد هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل
بالجود، وهو مذهب فلان من قدماء الفلاسفة »[iv]. أما الشهادة الثانية فهي
الشهادة المشهورة التي رواها ابن عربي في كتابه الفتوحات المكية، والتي زعم فيها
أن ابن رشد رغب في لقائه به بطريقة ملتوية لمعرفة مقدار تطابق غايتي التصوف
والفلسفة عند الوصول. ونفهم من تعاليق ابن رشد على هاتين الحادثتين
أنه كان حريصا على ربط تجربة التصوف بالمرجعية الفلسفية، وكأنه كان يعتقد أن
التصوف هو أحد أجناس القول الفلسفي الشاردة. *** هكذا يتأكد لنا أن غاية ابن رشد لم تكن البحث عن مكان للفلسفة بجانب علم الكلام أو التصوف أو السعي لعقد مصالحة بينها، كما لم يكن يريد في المقابل قراءة الفلسفة بغيرها، أو استعمال الفلسفة آلة منهجية لتأسيس وتدعيم جنس قولي مغاير لها (علم الكلام)، وإنما كان يريد فقط أن يحتفظ لها بكيان مستقل عن هذا وذاك، كيان قائم على النظر إلى الوجود بعين العقل. لقد كان ابن رشد حريصا على أن يحتفظ للفلسفة بحريتها المطلقة، حتى تكون غايتها في ذاتها، وليس من أجل غيرها. لقد كان واعيا بأن أية محاولة لتبني القول الفلسفي للرؤية العرضية للوجود (ابن سينا) أو للرؤية الجوازية أو التوكلية للعالم (الأشعرية والتصوف)، سيجعل من هذا القول قولا مستحيلا. وهنا نقف |