تجدد الاستبداد في الدول العربية

الدور المستقبلي للامنوقراطية

الدكتور حيدر إبراهيم علي

 

 

 

مدخل:-

يأتي هذا اللقاء وكلمة الإصلاح تملأ كل أنحاء الحياة العامة- على الأقل بين النخب العربية وحلقات المثقفين، مما يوحي من الانطباع الأولي أن نهضة أو صحوة تلوح في الأفق وأن العرب قد شرعوا في تأسيس بدايات نحو التحول الديمقراطي ونهايات عهود الاستبداد وحكم التغلب والشمولية وحكم الفرد. وقبل أن يبدأ العرب في البناء والتمهيد والإجماع حول الحاجة إلى تجاوز عهود الاستبداد وغياب الديمقراطية، دخل المثقفون في نقاش شكلانيات الإصلاح هل يأتي من الداخل أم الخارج؟ هل نحن في حاجة إلى إصلاح ديني أم لا؟ هل هو الإصلاح أم التغيير الجذري والثورة؟ هل هو نخبوي أم جماهيري؟ وهكذا ضاع السؤال الجوهري والأول وهو: إصلاح أم استمرارية؟ هذه وضعية تعكس الركون والإلفة والاعتياد- بوعي أو لا وعي- إلى الاستبداد باختلاف درجاته وتجلياته الواقعية. باختصار، لم يحن وقت القطيعة مع الاستبداد أو بمعنى أدق- الاستبدادات، لأننا قد نكون ضقنا ذرعاً بالاستبداد السياسي ولكن مازلنا نحتاج إلى الاستبداد الديني أو الفكري أو الثقافي أو الاجتماعي. خاصة وأن الدعوة للديمقراطية تمثل تجزئة للحرية وتختزلها في التداول السلمي للسلطة أي تركز على التعددية السياسية أو الحزبية.

تقول الدعوة للكتابة التي وزعها مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان، بأن الاستبداد بالرغم من انحساره في العالم لصالح نظم حكم ديمقراطية، مازال النموذج السائد لنظم الحكم في الدول العربية مهما اختلفت أشكالها وتعددت مسمياتها. فمن أين جاءت هذه الخصوصية العربية وهذا الاستثناء الذي استعصى على موجة الديمقراطية التي اجتاحت دول العالم بالذات خلال السنوات. لقد وصلت أمريكا اللاتينية رغم دكتاتورياتها الشرسة وآسيا بكل ذلك التنوع الديني والأثني والثقافي، ودول إفريقيا التي نتهم نظمها بالبدائية والتوغل في التقليدية. وظلت الدول العربية مقاومة لأي تأثير وقد تلجأ للمدوارة والمناورة والانحناء مؤقتاً وتلون التغيير القادم دون الولوج إلى مضمونه وفي أحيانٍ كثيرة تخرج ترسانة من الأسلحة الدينية والثقافية والقومية لتمنع التغيير من الاقتراب من أسوارها التي لم تعد حصينة ولكنها قد تشوش وتربك من لا يعرفها حقيقة من الداخل. نجحت الدول العربية حتى الآن في تجنب البدء في إصلاح ديمقراطي حقيقي وعن قناعة. فنحن الذين نتحدث عن أزمة النظم العربية ولكن أصحاب السلطة أنفسهم لم يفطنوا إلى أخطائهم وقصورهم. وهذا شرط التحول أو التغيير والإدراك أو الوعي بوجود مشكلة ثم يُشرع في حلها.

تحاول هذه الورقة البحث عن أسباب الاستعصاء العربي أو الممانعة العربية ومن أين تكتسب قوتها التي جعلت الدول العربية بعيدة عن هذا التاريخ الجديد الذي غمر كل العالم؟ يخطئ من يعتبر الدول العربية ذات طبيعة ثابتة مقاومة للتغيير، فهذه نظرة حتمية قد تقود إلى العنصرية إذ ترى بعض المجتمعات لا تاريخية وأقرب إلى الغزيرة والجوهر أكثر من اعتبارها ثقافة بشرية تتأثر وتؤثر في المكان والزمان. فالورقة تنطلق من ركود هذه المجتمعات مما عرضها لفوات تاريخي ولم تحاول أن تلحق سريعاً ببقية العالم. فالمجتمعات العربية تفتقد دينامية حركة الفكر وحركة المجتمع وما بينهما من علاقة جدلية. لأن الدول العربية الإسلامية لم تتفاعل منذ قرون مع الأفكار والفلسفات القادمة من خارج المنطقة جغرافياً أو من خارج الإسلام عقلياً، لذلك وجدت نفسها في عزلة، أخذت في السنوات الأخيرة ملمحاً انتقائياً واضحاً. فهي تقبل هجرة السلع والأموال والتكنولوجيا والسلاح، بينما ترفض المعرفة والعلم والنظريات والآراء أو التعامل معها بحذر واضح قد ينتهي أخيراً بالرفض.

تفترض الورقة أنه بسبب الاختيار التاريخي والواقع الذي يشهد تناقضات تفصمه وتقسمه بين شكلين وتطورين: التخلف أو التقدم، حيث التساكن العجيب. ويسمي البعض هذا الوضع مرحلة انتقالية أو لا معيارية (دوركايم) حين يتغير القديم ولم يتمكن من أن يحل محله بعد. وقد توحي الورقة- خطأ- أن المجتمعات العربية ثابتة وسرمدية، ولكن طريق التطور العربي سيظل بطيئاً وأحياناً متراجعاً أو متكرراً. وسيبحث العرب عن نماذج تكفيهم شر المطالبة بالتغيير والإصلاح الحقيقي. ستشهد المنطقة تغييرات ولكنها في كل الأحوال لن تكن إضافة للديمقراطية وخصماً على الاستبدادية. فالثقافة (الثقافات) العربية الإسلامية- حسب السائد- لم تكن الحرية في الأولويات في سلم القيم العربي ولا المتقدمة في اهتمامات العقل والفكر العربيين.

النسب التاريخي للاستبداد العربي

ساهمت البيئة الطبيعية مع طريقة الاستجابة البشرية في نوعية البحث عن شكل لتنظيم وإدارة شؤون الناس في هذه المنطقة. لأن غلبة عدم الاستقرار والترحال البدوي وغياب التوطن الجماعي بأعداد كبيرة كما يحدث في التجمعات الفيضية، كل هذا جعل الاهتمام بالحكم والسياسة أقل عربياً مقارنة بحضارات أخرى مثل الإغريق والرومان والهند والصين وفارس. ومن ناحية أخرى، كان الشعر ديوان العرب وليس الفلسفة كما هو الأمر في أثينا. لذلك قادت الفلسفة تلك المجتمعات إلى التساؤل في موضوعات مثل السياسة (أرسطو) أو الجمهورية (أفلاطون) وصارت هذه الموضوعات اهتماماً فكرياً وثقافياً. فالسلطة السياسية أو علاقة الحاكم والمحكوم ضرورة من ضرورات الحياة البشرية ولكن اختلفت درجة طريقة ومستوى الاهتمام حسب قوة الحاجة إلى ذلك وإدراك الناس المعنيين لتلك الحقيقة. وبالنسبة للعرب جاءت نهضتهم مع الإسلام وفتح العرب المسلمون العالم وتفاعلوا مع كل الحضارات القديمة ولكنهم جاءوا للعالم برسالة جديدة تحمل رؤية مختلفة للكون والإنسان والمجتمع، وهذا يعني ضمناً السياسة والحكم.

قدم الإسلام نظاماً شاملاً لمكارم الأخلاق ولكن- بالتأكيد- لم يكن من الممكن إعطاء تفاصيل كل شيء بالذات الحكم والإدارة، لذلك ترك الكثير لاستشارة العقل البشري ضمن المبادئ العامة للدين. كانت مهمة النبي (ص) الأولى تأسيس المجتمع الجديد والإنسان الجديد وهذه هي وظيفة الشريعة المحمدية. وكان النبي الكريم يوحى له في كل أمور الدين والدنيا وهو لا ينطق عن الهوى، فهو الحاكم والرسول الذي يختلف عن الأباطرة والملوك: لست عليهم بمسيطر. وهنا تغيب العلاقة بين الحاكم والمحكوم بالمعنى المألوف في السياسة. ولا توجد العلاقة التعاقدية القائمة على الحقوق والواجبات التي ارتكزت عليها نظم الحكم الديمقراطية لاحقاً. فالعلاقة دينية في الأساس ثم بعد ذلك سياسية، فهناك فروض دينية لابد من أدائها دون تساؤلات ومعارضات وجزاؤها في الآخرة. وهنا مبتدأ الخلاف السياسي في الإسلام أي الخلافة، فالخلفاء الراشدون يمكنهم التصرف في جزء من وظائف وصلاحيات النبي (ص) لأن السيادة الحقيقية في الأمة إنما هي لله الذي فوض نبيه بممارسة بعض سلطاته. وكما يقول حوراني: "لذلك كانت الشريعة، أي التعبير عن الإرادة الإلهية، العنصر الأساسي في المجتمع، وكان شطر كبير من العمل السياسي، أي التشريع، خارجاً، من حيث المبدأ من صلاحية الحكم. ولم يكن للخلفاء، نظرياً، لا قدرة الله على سن الشرائع، ولا وظيفة النبي في إعلانها، وإنما كل ما في الأمر أن الصلاحيات القضائية والتنفيذية قد انتقلت منه إليهم. فكان على الخليفة في الاعتقاد السائد، أن يقود الجماعة في السلم والحرب، ويستوفي الأموال الشرعية ويشرف على تطبيق الشرائع."[1] يمثل الخليفة رمزاً وفي هذا قال معظم الفقهاء بأن وحدة الأمة تستلزم وحدة السلطة السياسية.

مفهوم الوحدة هو محور السياسة الشرعية في الثقافة العربية الإسلامية، وقد تستوجب الوحدة الطاعة. لذلك لابد للأمة من إمام حتى ولو كان جائراً، فليس المطلوب عدالته أو ديمقراطيته ولكن وجود الخليفة ضروري حتى ولو كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك! ولم يكن الاستبداد بمعنى الاستفراد بالرأي وعدم الاستشارة وأخذ الرعية بعنف وقسوة من معايب ومساوئ الخليفة أو الحاكم أو السلطان طوال العهود الإسلامية طالما كان قادراً وقوياً وحامياً لبيضة الدين. يكتب أحد المفكرين المسلمين المعاصرين رغم إدانة الاستبداد والطغيان ولكنه يغلب وحدة وقوة الأمة أمام أعدائها:- "علينا هنا أن نحذر الخلط بين الحكم على الخليفة بأنه مستبد، من الناحية السياسية أو من حيث علاقته بشعبه، وبين أعمال أخرى جيدة قد تنسب إليه، فقد كان عبد الملك بن مروان الخليفة القوي الذي أسس الدولة الأموية وجعلها مستقرة فهو أول من كسا الكعبة بالديباج وأول من ضرب الدنانير للناس عام 75 هـ وأول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية (......) لكنه أول من غدر في الإسلام وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وأول من نهى عن الأمر بالمعروف ...."[2] مسؤولية الحاكم أن يحمي الأمة ويحافظ على وحدتها بكل الصور حتى لو اقتضى الأمر القمع والقهر ومع بعد الناس عن عهد الدين الأول حيث كان ورع وتقوى الخليفة- وليس رقابة الشعب أو الأمة- هما سبب رحمة الخليفة على رعيته. ثم جاء لاحقاً من يخاطب شعبه:- "أيها الناس، عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فأن الشيطان مع الفرد، أيها الناس من أبدى ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ومن سكت مات بدائه."[3]

ولسوء حظ المسلمين لم يعد الخلفاء والحكام الأتقياء كثرة لأنه من الصعب حل معادلة القوة والإمساك الجيد بالسلطة مقابل اللين وقبول الخلاف. والفهم العربي يثمن الاستبداد عالياً، حتى العاشق يطلب من حبيبته تستبد مرة لأن العاجز من لا يستبد، فكيف بالحاكم المطلق؟ لم أدهش حين قرأت قصة عبد الملك بن مروان، فقد كان عالماً ومتديناً ومرجعاً، يروي ابن أبي عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك![4] وهو القائل بعد أن تولى الخلافة: "والله: لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه.."

لم يعرف التاريخ الإسلامي حتى القرن التاسع عشر فكرة الديمقراطية أو الدستور أو العقد الاجتماعي، لأن تطوره السياسي كان مختلفاً بالذات في فكرة محورية لمن السيادة؟ للشعب أم لله؟ فالحاكم ليس مسؤولاً أمام شعبه أو أمته بل مسؤول أمام الله. وقد انعكس هذا على طريقة الاختيار فهو لا يطرح – أي الحاكم- على الشعب بل يتم الاختيار عن طريق البيعة التي تتم بالتوريث. حتى مسألة استشارة أهل الحل والعقد لم تعد واردة بعد أن أصبح الحكم ملكاً عضوضاً. وسادت فكرة الطاعة كقيمة اجتماعية وسياسية لضمان عدم تفكك الدولة وذلك بحماية الدين من الأعداء سواء في شكل عدوان عسكري أو محاولة هدم العقيدة. فالخليفة أو الحاكم هو ظل الله على الأرض. لذلك لا يمكن الحديث عن تقييد لسلطته أو إعطاء الشعب الحق في عزله أو محاسبته. هذا هو خط تطور الاستبداد التاريخي وهو ببساطة الاستفراد بالسلطة وأن تكون يد الحاكم مطلقة أو حسب ابن خلدون في الطور الثاني للدولة: "طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة. ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنياً باصطناع الرجال واتخاذ الموالي والصنائع، والاستكثار من ذلك، لجذع أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبة الضاربين في الملك بمثل سهمه، فهو يدافعهم عن الأمر ويصدهم عن موارده ويردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه حتى يُقرّ الأمر في نصابه ويفرد أهل بيته بما يبني من مجده."[5]

لم يخرج التاريخ السياسي العربي- الإسلامي من قاعدة الغلبة والقوة والعصبية حتى القرن التاسع عشر. ولم يعرف العرب الثورات العظمى التي تغير المجتمع من جذوره، لقد عرف الحروب والكوارث ولكن لم تكن نهاياتها بدايات لعصور جديدة وظل العرب المسلمون يعيدون إنتاج تاريخهم المثقوب وغير الصاعد لقرون طويلة. وفي هذه الأثناء عرفت أوروبا التغييرات الدستورية منذ الماقنا كارتا (Magna Carta) عام 1215 ثم الإصلاح الديني في القرن السادس عشر والثورة الفرنسية 1789 وصاحب ذلك مجتمعياً الثورة الصناعية والكشوف الجغرافية وصعود البورجوازية بعد سقوط الإقطاع والتسابق الاستعماري بالإضافة للحروب بما فيها حربان عالميتان. فقد كانت أوروبا الغربية تموج بالحركة والتغيير بينما الشرق العربي الإسلامي في ركود ونعاس تاريخي حتى القرن التاسع عشر حين كانت صدمة الاحتكاك بالحضارة الغربية وبرز سؤال النهضة أو التخلف من الوجهة الأخرى، حتى كتب شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم وكانت مجلة العروى الوثقى قد كتبت: "انحطاط المسلمين وسكوتهم وسبب ذلك". وطرح الكتاب أسئلة: لماذا تخلف العالم الإسلامي؟ أو ما هي أسباب انحطاطه؟ وكيف يمكن النهوض به من جديد؟ ولماذا تقدم العالم الغربي عليه؟ وما هي أسباب نهضته؟ وتعددت المسببات لدى المفكرين المسلمين ولكن يهمنا في هذا السياق الإجابات التي ارتبطت بالحرية والاستبداد والشورى، أمثال عبد الرحمن الكواكبي وعبد الله النديم الذي عزا تخلف الشرق إلى الاستبداد[6].

تجنب الفكر السياسي الإسلامي موضوع مصدر السلطات واهتم إلى مسألة كيفية ممارسة السلطة في بعض لحظات التاريخ. يقول حوراني بأن "تأثير الفكر اليوناني ظهر على فكرة عقيدة في الإمامة تحاول الإجابة على أسئلة مثل: من هو الحاكم الشرعي للجماعة الإسلامية، وماذا عليه أن يعمل؟ تصطدم هذه الأسئلة التي لو وصلت نهايتها قد تطالب بالحرية والمشاركة، بضرورة وجود الحاكم حتى ولو كان ظالماً، لتجنب الفتنة والشقاق والفوضى. فالحاكم يفرض الطاعة على رعيته بسبب هذه الضرورة وليس لديهم حق المعارضة والاحتجاج، ومن هنا يقول ابن تيمية: "أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم"[7].

بدأ المصلحون المسلمون منذ بداية القرن التاسع عشر في معالجة النظام الدستوري وفي 1866 تقدموا إلى السلطان بمذكرة أقرب إلى مشروع مقترحات دستورية طالبوا فيها السلطان بأخذ المبادرة في قيادة الحركة الدستورية والتمثيلية وقد تأثر الأفراد الذين لجأوا إلى أوروبا بالأفكار السائدة هناك. وبدأت تجارب دستورية في تركيا في 1876 وفي مصر 1881 وفي إيران 1905. وشارك خير الدين التونسي في إعداد مسودة دستور لتونس في 1860. لم تستطع المؤسسات الدستورية الصمود في هذه المجتمعات التقليدية لأنها لم تعبر عن تطلعات المسلمين العاديين، ولم تجذب الجماهير ولم تقنعهم بأنها أدوات تغيير ناجعة. وخشيت الفئات المتدينة أن تضر هذه التغييرات بالإسلام، لذلك بدافع الخوف على مصالحها انحازت إلى الحكم الاستبدادي لأن قوة الحاكم الفرد تضمن لها ما تريد.

حدود الحرية

تبنى مفكرون مسلمون فكرة أن غياب الحرية وغلبة الاستبداد هي سبب تخلف المسلمين، ويستوقفنا في هذا الصدد عبد الرحمن الكواكبي (1854- 1902) صاحب كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) والذي يقول في مقدمته:- "... كل يذهب مذهباً في سبب الانحطاط وما هو الدواء، وحيث إني قد تمحص عندي أن أصل هذا الداء هو الاستبداد السياسي وداواؤه دفعه بالشورى الدستورية. وقد استقر فكري على ذلك- كما أن لكل نبأ مستقراً- بعد بحث ثلاثين عاماً."[8].

ويطالب المتكلم في الاستبداد أن يلاحظ تعريف وتشخيص ما هو الاستبداد؟ ما سببه؟ ما أعراضه؟ ما سيره؟ ما إنذاره؟ ما داواؤه؟ وكل موضوع من ذلك يتحمل تفصيلات كثيرة وينطوي على مباحث شتى من أماتها: ما هي طبائع الاستبداد؟ لماذا يكون المستبد شديد الخوف؟ لماذا يستولي الجبن على رعية المستبد؟ ما تأثير الاستبداد على الدين؟ على العلم، على المجد، على المال، على الأخلاق وعلى الترقي، وعلى التربية، على العمران؟ من هم أعوان المستبد؟ هل يُتحمل الاستبداد؟ كيف يكون التخلص من الاستبداد؟ بماذا ينبغي استبدال الاستبداد؟ هذه هي عناوين الكتاب وموضوعاته التي عالجها الكواكبي جيداً. وقد ركز على تعريف الاستبداد وبالتالي دوره في الحياة العامة حيث يخنق كل آفاقها من خلال سيطرته على مفاصل المجتمع: المال والدين. ويحاول أن يقدم تعريفاً يساعدنا كثيراً في فهم حكوماتنا الحالية. ويبدأ بتعريف اصطلاحي بسيط هو: "الاستبداد: تصرف فرد أو قوم في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة وقد تطرأ مزيدات على هذا المعنى الاصطلاحي فيستعملون مقام كلمة (استبداد) كلمة: استعباد، واعتساف، وتسلط وتحكم" ( ص 23) ويقدم تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلات، أما تعريفه بالوصف فهو: "أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء، بلا خشية حساب ولا هي غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة أو على أمثلة تقليدية أو على إرادة الأمة، وهذه هي حالة الحكومات المقيدة. أو هي مقيدة بنوع من ذلك ولكنها تملك بنفوذها إبطال قوة القيد كما تهوى" (ص 24). ويقف الكواكبي عند أهم خصائص وأعلى مراحل الاستبداد حين يقول: "وأشد مراتب الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية." (ص 24).

يربط الكواكبي بين الاستبداد والسلطة الدينية لذلك لابد من فصل الدين عن الدولة. ويرى بعض الباحثين أن "السلطة الدينية التي يتمتع بها الحاكم، هي سلاح يمتشقه باستمرار في سياق ممارسته للاستبداد إلى جانب سلاحين رئيسيين هما: قوة العرش وقوة العسكر."[9] ويرى دايه أن سلاح الدين هو الذي يستقوي به الحاكم المستبد، لأن هذا السلاح لا يقتصر على منصب الخلافة بل يتعداها إلى سائر قطاعات الدولة ويفسر بداية كتاب الكواكبي بأنها: طرح داء الاستبداد ودواء الفصل بين الدين والدولة. وهذا ليس مجرد استنتاج. فقد جاء مقاله في صحيفة المقطم صريحاً حين يخالف موقف محمد عبده ومحمد رشيد في الدولة الإسلامية القوي