|
الجذور الدينية للإستبداد الإستبداد في فكرة ولي الأمر وفقه الغلبة وولاية
الفقيه في الوقت الراهن*** الدكتور علي الدباغ الإستبداد بأبسط تعريفاته
هو تفرد بالرأي في شؤون تخص الجماعة وبالتالي فهو إحتكارا أو إغتصابا لحق الجماعة
في إبداء رأيها، وفي النهاية فهو طغيان وإعتداء على الآخر. يعتبر الإستبداد في الدول العربية حالة عامة وغالبة وسمة أساسية
تطبع الحياة السياسية العــــربية، على ان الإستبداد له جذوره الممتدة لعصور الإسلام
الأولى التي أفرزت نظما للحكم أكتسبت شرعية دينية بمرور الوقت ولتصبح حكما ونظرية
مقدسة لايجوز الحديث عنها والخروج عن تشكيلتها أو التفكير بطرح بديل عنها والإستفادة
من تطور النظم المدنية و ظهور أنظمة حكم تنظم ضوابطا للحاكم والمحكوم بأجهزة رقابة
تفرض شفافية صعودا الى طريقة متحضرة لإختيار رأس السلطة ومنعه من الإستبداد والإنفراد
في الرأي. وقد وجد النظام
العربي الحالي في تلك النظريات والنظم ما يشبع رغبة الإستبداد فيه فتشبث بها بقوة
وقاتل من أجلها على الرغم من أن هذا النظام العربي لم يعر أهمية للإعتبارات الدينية
الأخرى، ويوازي هذا الإستبداد السياسي إستبدادا آخر بدأ يتبلور في فكر بعض الحركات
الإسلامية. وعلى الرغم من ان الإستبداد والتغلب له أسباب عديدة منها ماهو
ذاتي ومنها ماهو موضوعي ومنها ماهو تراثي متراكم ومنها ماهو حديث ومعاصر. نحاول في هذا البحث أن نسلط الضوء على جانب واحد من هذه الأسباب
وهي الجذور الدينية للإستبداد ونشأتها تاركين بحث الأسباب الأخرى للإستبداد
للآخرين، علما بان هذا البحث ليس بحثاً فقهياً وان كان قد أستعان ببعض المصطلحات
الفقهية، لكنه بحث فكري يقتبس من الفقه ولا ينقده، بل ينقد الآثار الأجتماعية التي
تترتب عليه. نظرية الحكم في الإسلام 1- عند الشيعة الإمامية النظرية الإسلامية في
الحكم عند الشيعة الإمامية الإثنا عشرية والتي تعتبر جزءاً من العقيدة وأصلا من إصول
الدين تستند على أن النبي يستمد شرعيته من الله الذي أصطفاه وأختاره وعينه وهو معصوم
من الخطأ وقد قام النبي بأمر من الله
بتسمية أثني عشر خليفة (إماماً) من بعده سماهم باسمائهم وهم الإئمة الإثنا عشر وهم
معصومون أيضا وتقع وظيفتهم الأساسية في تفسير و حراسة الإسلام عقيدة وشريعة من التحريف. والوظيفة الثانية هي مهمة الحكم، ليستطيع المعصوم أن يحقق
الوظيفة الأساسية من خلالها ولكنه يستطيع أن يحققها بدون تسلمه الحكم. ـــــــــــ **ورقة أعدت في سياق موضوع اللقاء الرابع عشر لمشروع دراسات
الديمقراطية في البلدان العربية حول " الإستبداد وحكم التغلب في أنظمة الحكم
العربية المعاصرة " ويؤمن الشيعة الإمامية ان هؤلاء
المعصومين مسددون من الله تعالى ومعصومون من الخطأ بملكة ذاتية وقدرة على منع النفس
من أرتكاب الخطأ فهم لايظلمون ولا يستبدون و لايحتاجون الى شورى أو مجلس حل وعقد
بل ان ممارساتهم المتعددة والمتكررة للشورى وأحيانا قبول المشورة والعمل بها هي غير
ملزمة لهم، بل كانوا يقصدون منها نوع من التربية وتعليم أصحابهم وتدريبهم
على التشاور، على ان فكرة حكم المعصوم قد تم تطبيقها في عهد النبي و في عهد علي ابن
ابيطالب وشهور معدودة في عهد ولده الحسن بن علي وقد كان واضحا أن الممارسة اليومية
مع المعارضين كانت تتسم بأعلى درجات التسامح حتى مع المعارضين السياسيين وقد بدى
هذا واضحا بصورة عملية في زمن علي بن أبيطالب - والذي لم يفرض بيعة ملزمة لحكمه في
عنق الآخرين- على أساس أن المعارضة في زمن النبي كانت لاتجرؤ على الكشف عن نفسها
حتى مع توفرالمقومات والحصانة التي كان يضفيها نبي الرحمة . هذه النظرية محكومة
بوجود النص عند وجود الإمام ولكن بعد غياب المعصوم فلا يوجد نص عليها وبالتالي فأن
حكم تطبيقها كان مرتبطا بفترة مضت وأنقضت ولا يتوفر أي غطاء ديني أو مسوغ شرعي لأن يتم تعميم هذه الفكرة
أو إعادة تطبيقها من قبل الناس العاديين (غير المعصومين) وبالتالي فان هذه الفكرة
تصبح غير قابلة للتطبيق ومرفوضة دينيا في العصر الحاضر لإنقضاء عهدها وعدم وجود أي
نص لتطبيقها في زمن الغيبة ولا يمكن أن تشكل ذريعة لتجديدها من قبل أي كان من عامة
البشر وهكذا فان إمكانيات ظهور إستبداد تحت هذا المسمى يفتقد لأي أرضية أو بيئة يمكن
أن تضفي عليه أي نوع من الشرعية الدينية. وفي غياب المعصوم
فلا يوجد إجماع شيعي على صيغة محددة لنظام الحكم، وان ظهرت لهم
دويلات هنا وهناك في أزمان مختلفة وفق نظريات معينة كنظرية ولاية الفقيه التي سنبحثها
لاحقا، وعلى هذا فيمكن للقاعدة الشيعية التعايش مع أي نظام يحترم الثوابت الدينية
ولا يعتدي عليها على إعتبار ان الحاكم الحقيقي في نظرهم هو الإمام الغائب المهدي
المنتظر (الإمام الثاني عشر) الذي سيقيم حكومة العدل الموعودة عند ظهوره وممارسته
لسلطاته كإمام معصوم وحاكم أيضا. وفي هذه الحالة فأن إمكانيات
الإستبداد والتغلب لا تعتبر قائمة في هذه النظرية لأن الإمام بالدرجة الأولى تكون
مهمته التبليغ والتشريع (في الحدود الموصوفة له) وحفظ الشريعة والشرح والتفسير وأما
الجانب السياسي السلطوي فهو مهمة ثانوية ومضمون فرعي للإمامة، حيث ان الإمام يحمل
هذه المهمة الأساسية بصورة مستقلة عن كونه حاكما سياسيا أو غير حاكم، لا بصورة متوازية
لمهمته السياسية أي أن مهمة الإمام المعصوم ليست سياسية أو تنظيمية سلطوية بالدرجة
الأولى وانما هي عقائدية تشريعية بالدرجة الأولى وسياسية تنظيمية بالدرجة الثانية
ومن هنا فان الإمام المعصوم عندما يفقد منصبه السلطوي فإنه لا يفقد إمامته بل يضحي
بدوره السلطوي السياسي لمصلحة الدور الأول وبالتالي فلا يمكن أن يتولد تغلب أو إستبداد،
لأن مهمة التبليغ والتشريع تكون قبولها من الناس أمرا طوعياً وغير ممكن تطبيقها قسرياً. لذلك يمكن قبول
الأنظمة الديمقراطية وانتخاب رأس السلطة بالإقتراع المباشر أو
غير المباشر من قبل المجالس المنتخبة والتي تستطيع أن تمنع من إستبداد وانفراد الحاكم
وتوفير ضمانات لعدل السلطة كما عبر عن ذلك أحد مراجع الشيعة الكبار وهو محمد حسين
النائيني في كتابه "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" بضرورة وجود دستور الذي
عرفه بإنه " أعلى القوانين وأحكامه لازمة الإجراء على كل فرد وإنه يحدد صلاحيات
الحاكم ويعرف حقوق الشعب وحرياته"، بل ذهب أكثر من ذلك في أعتبار مقاومة الإستبداد
واجب شرعي وليس حاجة سياسية فقط على أعتبار ان الإستبداد هو اخضاع الناس بالقوة ودفع
لهم بالإكراه على طاعة المستبد وأذا هم استجابوا فأن ذلك سيكون ظلما للنفس وعبودية
للطغاة التي تصل الى الشرك بالله الواحد الأحد ولإنقاذ عقيدة التوحيد من شبهة الشرك
وهو ما عرف وقتها بفقه المشروطة والذي أفرز فكرا متقدما في مقاربة مفهوم السلطة في
عصر الغيبة وانتج رؤية منفتحة تجاوزت الموروث الذي حكم الحياة السياسية الإسلامية
في نقاط رئيسية نجملها بما يلي: ولاية الأمة على نفسها مع ما تفرضه من عدم حصر الأمور الحسبية
بنواب الإمام الغائب بل يكون ذلك من خلال نواب الأمة في مجلس الشورى المنتخب. تحويل السلطة والممارسة السياسية الى شأن عام يشمل جميع أفراد
المجتمع ولا ينحصر بالفقهاء. أعتبار المواطنة
هي القاعدة التي تقوم عليها الحقوق لأفراد المجتمع وليس الدين وبذلك فقد حل أشكالية
الذميين منذ قرن من الزمن قبل أن ينظر اليها الى إنها مواطنة من الدرجة الثانية. ونعتبر أن هذه المحاولة الجسورة من النائيني نقلة كبيرة في
الفكر السياسي الإسلامي الشيعي بأتجاه التمازج مع الحياة المدنية المعاصرة والدولة
الوطنية في زمن الغيبة أو "ميثولوجيا الإمامة" كما يسميها محمد عابد الجابري
في "العقل السياسي العربي". 2- عند المذاهب الأربعة إن المفهوم العام والوظيفة المركزية للإمامة
عند المذاهب الاربعة هو الحكم بالدرجة الأساسية حيث يؤدي الحاكم من خلالها وظيفة
أقامة الأحكام وحراسة الدين وبالتالي فإنه لا يستطيع أن يقوم بالدور الثاني مالم
يتسلم مقام الحاكم على عكس النظرة الشيعية التي ترى للإمام الدور الثاني أولا وبمعزل
عن تسلمه الحكم كما أسلفنا، لذا فأننا عند مقاربتنا لمفهوم الإمامة عند المذاهب الأربعة
نتجه الى تعريفها بالحاكم الدنيوي حصرا الذي يتساوى مع غيره ولايتفرد عنهم بنص أو
بحديث أو بملكة تميزه عن الآخرين. لم يفرز النظام
السياسي الذي تولى الحكم بعد النبي
- وقبل نشوء فكرة المذاهب الأربعة في القرن الثاني- حكما
أو شكلا محددا أو طريقة متفق عليها تحدد المعالم الأساسية لتسمية رأس السلطة
أو الحاكم كما يبين ذلك علي عبدالرزاق في "الإسلام وأصول الحكم"
. على أن فكرة الخلافة والتي كانت في عصرها الذهبي في زمن الخلفاء
الراشدين وتجربتها التي تختزنها الأمة في وعيها كنموذج يحتذى للإقتداء به، فأن نفس
هذا الوعي يختزن أيضا وبمرارة مساؤئ الخلافة الأموية والعباسية والتي تمثلت في أعلى
صور الإستبداد والتفرد والتي حولت الحكم الى ملك عضوض لايرقى حتى أن يكون منصبا دنيويا
تنفيذيا عادلا، فضلا عن أعطائه الصبغة الدينية. نظام الخلافة هذا قد مهد لنشوء إستبداد مزمن في جسد الأمة
ونعتقد إنه كان المانع لأي تطوير لنظام مدني في ممارسة الحكم حيث إنه كان كما يصفه
علي عبد الرزاق بالسلطان المطلق الذي ينزل من أمته بمنزلة الرسول من المؤمنين وهذا
الخليفة بهذه الصفة يستعصي أمره على أي أحتساب أو رقابة ويصبح بذلك سلطانا مطلق الصلاحيات
وسلطته غير قابلة لأي نوع من أنواع الأقتسام، فله وحده الأمر والنهي، وبيده وحده
زمام الأمة، وتدبير ماجل من شؤونها وما صغر. كل ولاية دونه فهي مستمدة منه، وكل وظيفة
تحته فهي مندرجة في سلطإنه، وكل خطة دينية ودنيوية فهي متفرعة عن منصبه. لذلك نجد أن بدايات الإعتراض على هذا الشكل من الحكم الذي
أنحدر الى ملك عضوض قد تمت مواجهته بأقسى درجات البطش والتنكيل أبتدأ بعهد معاوية
ولم ينته لغاية الآن، لذلك فأن الخلافة على رأي عبد الحميد بن باديس رمز خيالي في
عقول المسلمين وان اللهفة في الرجوع اليها هو لعجز العقل العربي في تطوير نظام سياسي
يتآلف مع الدين ويحتويه الدين ولا
يتنافر معه. وقد تم تفصيل نظريات لاحقة بعد الصدر الأول للإسلام لشرعيات
مختلفة لتسلم الحكم والسلطة وأصبحت مصدرا
تشريعيا فيما بعد، وهذه
النظريات يمكن إجمالها بما يلي: أ- إختيار أهل الحل والعقد يبدو أن الرأي الغالب قد
استقر على أن إختيار الخليفة أو الإمام عند مذهب أهل السنة يتلخص فيما أورده عبد
القاهر البغدادي المتوفى في 429 هـ في كتابه أصول الدين ص 280: "أن الإمامة
تنعقد لمن يصلح لها بعقد رجل واحد من أهل الأجتهاد والورع، إذا عقدها لمن يصلح لها،
فاذا فعل ذلك وجب على الباقين طاعته". وهكذا تبعه القاضي أبو بكر الباقلاني
المتوفي سنة 403 هـ في التمهيد والأيجي
المتوفي سنة 756 هـ في المواقف، ومنهم من ذهب الى إنها تنعقد بخمسة فقط، كما هي في
بيعة أبو بكر التي أنعقدت بخمسة هم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى
أبو حذيفة وبشير بن سعد وأسيد بن خضير، وكذلك في جعل عمر الشورى في ستة لتنعقد البيعة
من خمسة أشخاص. وقد رفض أبن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456 هـ في كتابه الفصَل
صحة عقد الإمامة بعقد فضلاء الأمة في أقطار البلاد. العهد من الإمام
السابق وتشمل ولاية العهد والميراث , , ويمكن تلخيص هذا الرأي بايجاز على ما
ذكره الماوردي المتوفى 450 هـ في الاحكام السلطانية: "والإمامة تنعقد من وجهين:
أحدهما بإختيار أهل العقد والحل، والثاني بعهد الإمام من قبله" وأورد في باب
آخر جواز عدم أستشارة أحدا من أهل الإختيار وجاز له أن ينفرد بعقد البيعة وتفويض
العهد اذا عقدها لغير الوالد والولد. وكذا قال ابو الحسن الأشعري المتوفي سنة 330 هـ في الابانة
والذي أثبت فيها صحة عهد ابو بكر الى عمر. وتبعه الباقلاني الذي ايد عقد الولاية لعمر. ومن المحدثين نرى الشيخ محمد الشربيني
المتوفى سنة 977هـ فى مغني المحتاج ينص على أن "لايشترط في الأستخلاف رضى أهل
الحل والعقد في حياته أو بعد موته أذا ظهر له واحد جاز بيعته من غير
حضور غيره ولا مشاورة أحد، ويجوز العهد الى الوالد والولد كما يجوز لغيرهما، وقد
جزم به صاحب الأنوار وابن المقري". الإستيلاء
أوالغلبة (وسمي بعدئذ فقه الغلبة) وقد بين أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505
هـ في الإقتصاد في شرح مطول بانعقاد الإمامة لمن انتهض لهذا الأمر مع فوات شروطها
لحال الضرورة. وكذا تبعه القلقشندي المتوفي سنة 821 هـ في أعتبار الطريق
الثالث من الطرق التي تنعقد بها الإمامة هي القهر والأستيلاء. إن الطرق التي مر ذكرها قد أعتبرت حصريا طرقا شرعية لتعيين
الحاكم وقد تم تقوية أحدها على الأخرى إعتمادا على ما شهدته تلك الفترة من ظرف يتطلب
تغليب طريقة على أخرى كما في التساهل في نظرية أهل الحل والعقد التي تنطلق من عدم
إشتراط أهل العقد في جميع الأمة المسلمة بل يكتفي بمن وجد فيهم في بلد الإمام ثم
من يكتفي ببعضهم ثم يتضائل ليصل الى خمسة فواحدا. بينما يضعف إبن حزم نظرية أهل الحل والعقد لمصلحة العهد فيراها
أفضلها وأصحها، بل يتنازل أكثر عندما يصرح في ص 170 " فان مات الإمام ولم يعهد
الى إنسان بعينه فوثب رجل يصلح للامامة فبايعه واحد فأكثر، ثم قام آخر ينازعه ولو
بطرفة عين بعده، فالحق حق الأول سواء أكان الثاني أفضل منه أو مثله أو دونه" وهكذا يرى الزيدية بان كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة
يكون واجب الطاعة ولو لم يبايعه أحد، فإنه بخروجه ودعوته الناس الى نفسه يكون إماما. وهكذا فقد صرف النظر تحت وطأة الرغبة أو الأظطرار الى تبرير
النهج القائم الذي آل اليه الحكم الإسلامي عن دور الأمة وتوقف الشرعية عليها، الى
الأكتفاء عنها ببيعة شخص واحد. ثم آل الأمر الى إعتبار ولاية العهد طريقا شرعيا حتى في حالة
تعدد ولاة العهد، ثم إنتهى الأمر الى إعتبار التسلط بالقوة طريقا شرعيا كما يرى شمس
الدين في "نظام الحكم". وقد استندت جميع هذه النظريات الى ان النبي لم ينص على تعيين خليفة، لذلك فللمسلمين أن يسلكوا
في تعيين الخليفة أي طريق يشاؤون. وقد تم التنظير وحشد الآراء ووضع أحاديث للتدليل على هذه النظ |