|
الوجه الباطني للإستبداد والتسلط في طبيعة السلطة
السياسية العربية: قراءة في التجربة الديمقراطية المتعثرة في الجزائر الدكتور
بومدين بوزيد
"عقلانية المعلوماتية" تتجاوز عقلانيات
وحداثات سابقة وتضع لنفسها الكوجيتو الخاص بها في عالم يتجه نحو عولمة يرى فيها بعض
فلاسفة هذا العصر الغلبة والإنتصار للنمط الليبرالي الغربي ، وهي نهاية (قيامة) بطريقة
لم تتحدث عنها الأديان وكتب نهاية العالم بهذا الشكل ، وإن كانت فلسفة "الإختلاف
الدريدية" تنتقد هذه الأفكار الأمريكية بخصوص النهايات وتسخر من المنطق الداخلي
الذي تتميز به فهو منطق هيمني يتسم بالغرور
مهما كان الخلاف حول فلسفة النهايات ، وهل فعلا ينتهي العالم
إلى النمط الليبرالي الغربي أم سيكون الصراع بين القيم والعقائد ويرتسم العالم على
أساس الشرق والغرب ؟ ، فإنّ نصيب العرب في هذه العقلانية الجديدة يكاد أن يكون غائباً
في ظل إستمرار للإستبداد ولإشكالات فكرية وسياسية وهمية ظلت تلاك منذ قرن من الزمن
، لم نحقق الإقلاع النهضوي وظلّت الخطابات الشعبوية المشبعة بقيم التخلف مهيمنة واستمرت
ببقاء الدولة الوطنية القائمة على العسكر ومنطق القبيلة التي كان من المنطق التاريخي
أن تبقى مرحلة زمنية كحاجة تاريخية ثم تزول ، ولكنها للإسف إستمرت فخلقت الدولة الهجينة
وتآكلت من الداخل وأفرزت نقائضها ، نقائض تفكر بنفس الآليات ، فبقيت المرجعيات والمحددات
التاريخية والعشائرية هي الحاضرة دوماً والتحكم إلى المقدس في حالات التنازع والتقاتل. إن هذا الخلط وإزالة الحدود الفاصلة بين الأنظمة
الفكرية أو الدينية أو الشعائرية هو المؤدي إلى إنتاج مقولات إعدام الآخر الممتلك
لأنظمة فكرية غير هجينة وتفرق بين ماهو ديني ودنيوي وماهو ماض وماهو حاضر ، هذه الأنظمة
تتسم بالتمايز والوضوح ، وهو بهذا الإنفصال وطابع العلمية يشكل خطراً وتهديداً على
الأنظمة غير المقننة والمحددة والتي تتسم في الغالب بطابع التداخل ولاتستطيع التحرر
من هيمنة "الذاكرة" بل على العكس أحياناً هذه الأنظمة هي التي تهيمن على
هذه الذاكرة باحتوائها وتأويلها تأويلاً أحادياً ضيقاً نفعياً، ومن هنا يكون العجز
إما في إقامة التحاور مع "أنظمة العقل" المتحررة من المرجعية الذاكرية
المستبدة أو في إنتاج مقولات حداثية ، أو في الإجابة عن التحديات الراهنية . الأزمات المنهجية والمفهومية في الفكر
العربي المعاصر ترتبط في جزء منها بهذه الأنظمة الذاكرية التي إنتعشت أكثر في بلدان
عرفت باسم "الدولة الوطنية" المفتقدة إلى الشرعيات العقلية ماعدا الشرعية
التاريخية ولعل إرتباط جزء كبير من المثقفين العرب بتنظير هذه الذاكرة هو الذي حال
دون إبداع فكر عربي حداثي دون مرجعية ماضوية أو حاضرة(ماركسية أو فلسفات غربية أخرى)
هي ماض بالنسبة لنا ليس بالمعنى الزمني ولكن بالمعنى الحضاري بمقياس الإبداع والتجديد
والقدرة على تبيئة المفاهيم والمنهجية التي نتأثر بها ، فهي ماض رغم زمانيتها ، ولإنها
كذلك إستجابة لوضع وقيم حضارية تتميز عنا . مهما كانت الخطابات الثقافية أو السياسية اليوم المحددة بآليات هي في جوهرها
-كما قلت عائقاً- أمام القدرة على التجديد والإبداع والمشاركة المثلية في الحضارة
الإنسانية القائمة والتي ستتطور بسرعة في القرن الجديد ، فإننا بالتأكيد ستفرض علينا
هذه العولمة التخلي عن كثير من القضايا المستهلكة في فكرنا العربي المعاصر ، كما
سنتخلى إضطراراً عن الإحتكام إلى الشرعيات التاريخية أو إلى المقدس أو البقاء ضمن
التأطير العشائري أو بناء الحسابات السياسية على أساس نصيب الغنيم. -1- الإجنهادات المتنوعة اليوم في حقلي الفكر السياسي والأخلاقي-الإيطيقي
في الغرب يمتد فضاءها النصي والممارساتي من الأنواريين في العصر الكلاسيكي كـ"مل"و"جون
لوك"و"روسو" إلى أبرز مفكر أمريكي اليوم "جون راولس" John
Rawls صاحب كتاب "
نظرية العدالة" الذي صدر سنة 1971 بالإنجليزية وترجم إلى الفرنسية عام 1987
، وقد لقي رواجاً كبيراً وترجم للغات أخرى وللأسف لم يترجم إلى العربية إلى اليوم
حسب علمي رغم أهميته الآنية بالنسبة للعدالة المريضة عندنا ووضع حقوق الإنسان المتدهور
(1) . كما
يتم التوجّه نحو مايسمّى "إيطيقا السياسة" أي البحث في قيم وأخلاقيات الممارسة
السياسية، وهذا له علاقة أيضا بمايسمّى "أخلاق وثقافة التواصل" (2)، هي
دراسات وأبحاث لقيت رواجا بعد سقوط السوفيات وهيمنة أمريكا ، وكانت الأطروحة المشتركة
إعتبار الأنظمة التوتاليتارية التي أنتجت الحربين العالميتين رمزاً للشر بل هي الشر
بتعبير صاحبة أشهر نظرية حول الأنظمة الشمولولية "حنا أرندت"(3) ، ويحاول
الإعلام الأمريكي اليوم وبعض الأوربيين بعد 11سبتمبر تصوير هذا الشر مستمراً من خلال
الإرهاب (4). مايلفت الإنتباه في المراجعات والإجتهادات الحاصلة في مثل
هذه الأعمال : هو نقد الليبرالية المعاصرة واعتبارها منحرفة عن المبادىء الإنسانية
التي قامت من أجلها ، سواء في تحويل المواطن إلى أداة كبقية الأدوات والتكنولوجيا
، وقهره داخل المؤسسة ، ومن هنا الحديث عن العدالة بمعنى إعادة فرديته وإنسانيته
في مؤسسات عادلة تتواصل معه كإنسان ، وهناك ايضاُ الإهتمام بقضية "الجماعية
" أو "حقوق الأقلية ، خصوصاُ اللسانية " ويعتبر الفيلسوف الكندي
"شارل تايلور" (5) أبرز المتحدثين عن هذه المسألة ، فمسألة الهوية تطرح
كمشكل "عدالة توزيعية" ويطرح هذا المفكر وزملاؤه في هذا الميدان صيغة
" المواطنة المتعددة-ثقافياً" ، أي عدالة توزيع "الحقوق الثقافية"
التي تسمح باحترام الفرديات ، التي تبنى اساساً على "حقوق الجماعة" ثقافياً
(6)، وهنا نلمح النقد القوي للعصر الأنواري الذي أعلى من شأن حقوق الفرد ، فالتعبيرات
الثقافية المتنوعة هي "حقوق جماعية" ومحكومة بثلاثة أسباب عقلانية : [ حيادية الدولة
، وفردانية أخلاقية ، ومبدأ الإنصاف ، أي أن كل مجموعة تأخذ نفس الحق] .
أما نحن في
المجتمعات العربية –خصوصاُ دول المغرب العربي - فمازلنا أمام خيار واحد ، خيار النموذج
الأنواري البحت في صيغته الفرنسية التي ورثنا جزءا منها رديئاُ ، والمستهلكة تقليدا
وتكراراً بوعي أو بغير وعي عند بعض ليبراليينا (المثقف أوالسياسي) ، فهناك اليوم
صيغ واجتهادات عديدة إلى جانب ميراثنا الحضاري ، ولو أنه –أي هذا الميراث- في سنيته
الرسمية المعثمنة (7)فيما بعد مغلف
ومحكوم ومغلق بفكرة "المستبد العادل" الذي لم يكن عادلاً ، وبقاعدة
" إن الله يزع بالسلطان مالايزع بالقرآن" ، وهنا نتذكر الرحالة "أبا
حامد الغرناطي" حين أوّل الحديث النبوي التالي –ولايزال هذا صالحاً أي التأويل
إلى اليوم – " الدنيا قبر المؤمن وجنة الكافر" ، وتأويله : أن الؤمنين يعيشون قبراً بظلم
حكامهم وطغيانهم والكافرين في نعمة جنة العدل والخير ، لقد مرّ هذا الرحالة بدول
أوربية كانت بدأت تنهض في القرن الثاني عشر والثالث عشر ميلاديين . إن عملية
التواصل أو القطع مع بيئتنا التاريخية وذاكرتنا يختلف من بلد عربي لآخر ، فالجزائر ليست السعودية
أو المغرب مثلا ، فالإختراق الكولينيالي –الليبرالي ضرب كل مايمت بصلة لتركيبة السلطة
التقليدية ، ولكنها ساهمت في خلق نمط دولة خرجت من رحم المرحلة السابقة مازالت مستمرة
معنا ، سواء في البنية الإدارية أو بعض المدونات القانونية أوبعض القيم السائدة في
الحكم والتسيير ، وهو عامل كان وراء الهزات العنيفة منذ أحداث أكتوبر 1989 ومالحقها
من توقيف الإنتخابات بداية التسعينات من القرن الماضي ، فمازال اللاإستقرار هو الإستقرار
وهو الشيء العادي ، وقد يستمر لسنوات أخرى ، إنه التدهور السياسي وتعدد المتاهات والمخارج ويبرز ذلك جليا
كلما أقبلنا على إنتخابات ما . ففي الجزائر ستبقى الهوية مصدراً للنزاع وقد يكون هذا النزاع
إبداعياً إذا كان حضارياً وبوعي ولكن حين يصيرمتكئاً سياسياً أو لتحافظ بها الجماعات
أو الطوائف العرقية واللغوية على بقائها واستمرارها فإنه ينتج الصدام والعنف والإقصاء
والكراهية ، إن هويتنا الوطنية مأزومة اليوم والمثقف تقريباً غائباً لاينتج المعرفة
المتعلقة بهذه المسائل ولايجيب عن التحديات الراهنية ، ماذا تصنع هوية يراد لها أن
تستمر بالقرارات وتأسيس المجالس العليا أو يكون مطلب لرفض بقرارات لجزء منها ؟ إن
الذين يقررون أو يرفضون مهما بدا لنا من تعارضهم فهم عقل واحد ينتج نصاً واحداً ويكرسون
آليات واحدة ، والمثقف العربي له إمكانة المساهمة الفعالة في كشف المنطق الداخلي
لهذا التفكير وعوائقه المنهجية وتحليل وسائله المفهومية بتلمس العناصر المشتركة التي
تجعل مايبدوا متعارضا ومتنافرا على مستوى الخطاب هو عقل واحد يكرس نمطية في التفكير
مستنسخة ، ومن هذه العناصر : -1- الصراع حول إمتلاك
المقدس : إستخدام المقدس تم إستخدامه من طرف النظام قبل المعارضة فهو أحد أبعاد الحقل
السياسي ويشكل المخيلة الإجتماعية وينتعش من خلال جدل الحضور والإختلاف ، ففي غيابه
حضوره . -2- الثنائيات والتلفيقية
: إننا مغرمون بالأزواج (الثنائيات) ، وحين تتعبنا أونعجز عن المخرج من المأزق نلجأ
إلى التلفيقية Syncrétisme ، هي أزواج مغلوقة وليست مفتوحة مفقرة
، وحتى عندما يراد الخروج منها أو ترضية الأطراف المتناقضة يُنتهى إلى تلفيقية مبسطة-كما
قلت- لاتغني ولاتسمن من جوع ، إنها وسطية وهمية شبهها أحد الكتاب العرب بـ"النخلة
العربية" التي تسمح بتجاور الشيئين وأحياناً الضدين ، "إن رأسها في الشمس
وأقدامها في الماء" . -3- نمذجة التفكير
: إن النموذج حاضر دوماً في مناقشاتنا قد يكون عامل إبداع ولكنه في حالتنا معوقاً
للتفكير الخلاق حين يكون تفكيرنا عاجز عن التفكير إلا ضمن النموذج ، قد يكون ماضياً أو حاضراً وغالباً مايوقعنا
في آلية التماثلية والمقارنة .(8) -2- اللاإستقرار هنا معناه عدم رسوخ المؤسسسات وسيادة القانون
، فهناك تداخل للصلاحيات والـتاويلات الفاسدة للقانون ، كما كان ومازال التأويل الفاسد
للتاريخ والذاكرة ، فلا فاصل بين المشرع والمنفذ والمعاقب –بكسر القاف- وتبرز هذه
المظاهر أكثر في الدولة المفتقدة للشرعية الديمقراطية أو التي تنتقل إلى حصر السلطات
في يد الزعيم ، وفي مجتمعاتنا هناك سهولة في بروز الفردانية الملهمة الكاريزمية التي
تكون مبشرة ومنذرة على الطريقة النبوية
المهدوية ، فهناك المكونات النفسية والإجتماعية التي يتم في أي لحضة إستدعاؤها وتنشيطها(9)
، قد تكون حاجة تاريخية في ظروف معينة للتحرير أو لدرء الخطر الخارجي ، ولكن في الظروف
العادية تكون وبالا على الديمقراطية والحريات. وغالبا ماتكون الشخصية المنفردة بالسلطة مريضة ، فهي تسعى
نحو القهر وترى ذاتها لها الفضل في
التاريخ وتعيش وهم "الدين"-بتسكين الياء- أي أن الآخرين عليهم دينا يردونه
، فنكون علاقته بأمته علاقة مديونية ، ويصاحب هذه الهستريا ثقافة وقيم تعمل على تنشيط
مخيال الزعامة ، وتصوره على أنه هو المنقذ ، وتصوروا معي حينما يطرح السؤال التالي
: وهل يوجد أفضل من هذا الحاكم ؟ إنه الخطيب المفوه ، هل يوجد بليغ مثله ؟ لاحظوا
مازال البيان سحرا عند مثقفينا وفي تنشيط مخيالنا ، هي الخطابة التي يستمتعون بها
ويتوهمون الخروج من التخلف والفوضى والعنف (10) ، ومن هنا يمكن كذلك فهم التعاطف
مع صدام ضد الأمريكيين الذي يحيلنا على صورة جمال عبدالناصر أو بومدين ، إنه تعاطف
الذين يشعرون بالعدوان والظلم من الغرب ويتوهمون أن هذه الزعامات المحتكرة للذاكرة
والتاريخ هي التي تخلصنا من إسرائيل والغرب وتعطينا التفوق ، في حين أنها لن تجلب
سوى مزيد من المآسي . أليس من العجب
أن يُتصور لاحقا إنه ولي من أولياء الله (11) مادامت المشايخ الطرقية يدعون له بالنصر
؟ ، ويذكروننا هؤلاء بما قام به بعض أجدادهم في الدعوة بالخير والنصر لبعض البايات
والدايات في العهد التركي الذين تميز عهدهم بالظلم وسفك الدماء ، ؟ إن هؤلاء لايدركون
التصوف في جوهره النقي كما نقرأه في الحكم العطائية أو نصوص محي الدين بن عربي أو
غوثيات سيدي أبي مدين التلمساني ، أو ماتركه من آثار ألامير عبدالقادر الجزائري
(12) . إن مفهوم الشر (13) رغم أصوله اللاهوتية والأسطورية يتكرر
ويتجسد أساساً من خلال طبيعة الأنظمة ، فالشر في الجزائر منذ سنوات هو الإرهاب والتسلط الذي قد يدمّر
كل شيء ، وهو تسلط مرتبط بمجموعات المصالح ، فما معنى اليوم أن نتهاوى إلى هذا الحضيض
وبدل الخلاف حول الافكار والقيم والمشاريع والبرامج نختلف حول الأشخاص فتكون العصبية
والعشائرية وعقلية اللصوصية هي المستحكمة ، والتطورات الحاصلة اليوم هي إنزلاقات
خطيرة نحو ضرب مظهرين كان علينا تطويرهما وتحديثهما ، الظاهرة الحزبية بتفتيتها وإفراغها
من محتواها وجوهر معارضتها ، والظاهرة الإعلامية بتكميم الأفواه وسجن الصحفيين
(14) ، في حين يتم إغداق الأموال ومسح الديون ونسيانها لجرائد أخرى تهتف باسم الرئيس
وتلعن كل معارض ، ولايستحي بعض مالكي هذه الجرائد في الإشادة بدور الأمن باستجواب
وسجن الصحفيين ويدافعون عن بوتفليقة بلغة مبدأية وهم في ذلك يبزنسون بمواقفهم ويحاولون
الضحك على القارئ ، فبعضهم لايصلح إلا أن يكون حوانتيا بقالا لاعلاقة له لا بالمهنة
الإعلامية ولابالسياسة (15) . إن أنظمتنا
العربية لم تستطع تجاوز الإستبداد كشكل تسلّطي أو كسلوك يومي في المؤسسات وحتى كثقافة
وقيم ، بل يتواجد أحياناً حتى في الأحزاب المعارضة التي تطالب بالديمقراطية ، هي أشكال إنتقدها "عبد الرحمان الكواكبي"
في القرن التاسع عشر ومازالت قائمة بل أحياناُ بصورة أسوأ ، بعضها –أي هذه الأنظمة
العربية- يتهاوى بفعل القوى الخارجية والضّغط الدولي (16) . -3- هناك أنظمة عربية ذات طبيعة معقدة قد تتداخل فيها مراحل مواصفات
سلطوية في وقت واحد وتنمحي التمايزات ، قد يسميه البعض الهجانة (17) ولكن يمكننا
تسميته بـ"سلطة العصب المقرصنة" (18) ، فليست بالأحزاب أو التنظيمات الواضحة
، هي مجموعات تشكل عصب أو قبائل تتنازع حول المال والإستحواذ على مصادر القرار وبالتالي
هي ذات سلوك قرصني مدمر ، والمثال هنا الجزائر ، التي يفاخر مسؤولوها وبعض مثقفيها
العوام بالديمقراطية وأنها دولة المؤسسات . إضافة
إلى مايتحدث عنه الكثيرون من تسلط الجيش (19) والعصابات المافياوية على الحكم ، هناك
عوامل أخرى يمكن ذكرها ووصفها وهي ضرورية في فهم طبيعة التسلط في النظام الجزائري
الذي قد يكون مرتبطاً أحينا بطبيحة الحاكم أو الجماعة الحاكمة ، وإذا ماأردنا مقاربة
فهم طبيعة الحاكم عندنا -- رغم طبعا التباين والتمايز أحيانا - يمكن ذكر العوامل الثلاثة التالية التي
تشكل طابع الهيمنة الفردية وتخلق المحاكاة حتى عند المسؤولين على مستويات أخرى في
السلطة: "المديونية التاريخية " التي يتميز بها الحاكم ، وهي شعور وقناعة متوارثة عند جيل معين ومجموعة معينة ترى أن البلد والشعب مديونان لهم بكونهم قادوا بلدهم إلى الإستقلال ، وبالتي فإن إنتخاب الشعب لهم وقبولهم والرضى بهم والهتاف بحياتهم هو ردّ لهذا الدين _بفتح الدال وتسكين الياء- ، والشعور بـ"المديونية التاريخية "، أي كون الأخر يؤدي دينا في علاقته بالحاكم لاتوجد عند الانظمة الديمقراطية المعاصرة اليوم ، قد لايصرح الحاكم العربي ، بذلك ولكنه يعاني منه كحالة مرضية تطورت واستعصي علاجها ، خصوصا إذا كان البعض من هؤلاء عُزل وحرم من السلطة ، ويعود إلي |