|
03/12/2002 05:12:33 م
|
|
من حاجات العرب اليوم .. العودة الى فكر ابن رشد
سمير عواد منحت مؤسسة ابن رشد للفكر الحر (مقرها
مدينة برلين) جائزتها عام 2002 للدكتور عزمى بشارة النائب العربى فى الكنيسيت
الإسرائيلى منذ عام 1996، وقد اتخذ قرار منح الجائزة التى منحت لمحطة تلفزيون
"الجزيرة" عام 1999، لجنة تحكيم ضمات شخصيات فكرية وأدبية عربية، خصت عزمى
بشارة بالتكريم تقديرا لكفاحه المتواصل من أجل السلام فى أرض السلام وسيجرى
تسليمه الجائزة فى منتصف ديسمبر. ولد عزمى بشارة عام 1956 فى مدينة الناصرة
وبعد إنهاء الثانوية العامة أمضى خمس سنوات مع إخوانه فى تأسيس وتنظيم الطلاب
الجامعيين العرب ثم ذهب إلى ألمانيا للدراسة فى جامعة هومبولدت ببرلين وبعد
عودته إلى وطنه فلسطين عين أستاذا للفلسفة والعلوم السياسية والثقافية فى
جامعة بيرزيت،
وأسس فى رام الله مع زملاء آخرين "المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية" التى أغنت المكتبة العربية بدراسات عن الديمقراطية. وبصفته نائبا فى الكنيسيت كرس بشارة جهده فى الدفاع عن حقوق المواطنين العرب فى إسرائيل، وحقوق الشعب الفلسطينى فى الضفة الغربية وقطاع غزة فى نضاله ضد الاحتلال. وفى عام 1999 رشح نفسه لمنصب رئيس الوزراء لكى يضع نقاطاً جديدة على الأجندة السياسية وهى وقف سياسة التمييز ضد المواطنين العرب، منها قضايا القرى غير المعترف بها ومصادرة الأراضي، ومن أجل طرح خط سياسى بديل لمرشحى حزبى العمل والليكود. ولأنه عضو فى الكنيسيت فإن صوت عزمى بشارة مسموع فى أوروبا فمن خلال مشاركته فى ندوات عديدة قال أكثر من مرة إن إسرائيل التى يقول الأوروبيون الغربيون إنها الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط، وهذا غير صحيح لأن هناك ديمقراطيات مثل لبنان وتركيا وإيران، لا يأخذها الغرب فى الحسبان، قال بشارة إن الدولة العبرية ليست لجميع مواطنيها ووضع علامة استفهام كبيرة مؤكدا أن دولة الاحتلال دولة عنصرية مثلما كانت جمهورية جنوب إفريقيا تحت حكم البيض. الحديث فى هذا المقال لا يدور حول تاريخ عزمى بشارة، فأمام هذا الرجل مستقبل واعد، بل اسم الجائزة التى أعطيت له "ابن رشد" وما يمكن لنا أن نتعظ به فى هذه المرحلة من فكر ابن رشد وأهمية هذا الفيلسوف الحالية فى المجتمعات العربية. أين تكمن أهمية ابن رشد اليوم بالنسبة إلى مثقفين عرب يقيمون داخل البلاد العربية وخارجها، يدعون إلى تحرر الفكر وإلى تحرير المجتمع والانسان، ليس فقط فى بلدانهم، بل فى العالم باسره؟ إن عدنا إلى التاريخ وجدنا أنه ما من فيلسوف عربى لاقى فكره المصير الذى لاقاه فكر الفيلسوف الأندلسي، فصار موضع جدل ورفض وقبول على حد سواء. ففيما أهمل أهل الشرق العربى قرونا عديدة كتابات ابن رشد، اهتمت بها أوروبا اللاتينية اهتماما عظيما. وصارت الرشدية مذهبا فكريا ساد أوروبا فى القرون الوسطى وعصر النهضة، فكان له أتباع ومناوئون على حد سواء، ولعب دورا كبيرا، ليس فقط فى مجال الفلسفة النظرية، بل أيضا فى تطوير النظريات السياسية والاجتماعية. والمعروف أن اسم ابن رشد قد اقترن باسم أرسطو. ولكن اسمه كان أيضا رمزا لازدواجية الحقيقة. ابن رشد أسيء فهمه بقدر ما تم تعظيمه. وغدت آثاره موضع تفاعل حضاري، تلاقى فيه الشرق والغرب، والعرب واليهود والأوروبيون. ظاهرة حضارية ما أحوجنا اليوم إلى مثلها. ربما كان أول ما يخطر فى البال حين نتكلم عن تحرر فكر ابن رشد هو محاولته التوفيق بين الدين والفلسفة من دون التضحية بشيء من أصول كل منها. وقد قاد تمسك ابن رشد بالحكمة والشريعة معا إلى الظن بأنه اعتقد بوجود حقيقتين: حقيقة الدين وحقيقة الفلسفة. وهذا برأيى خطأ. فابن رشد لم يعتقد إلا بوجود الحقيقة الواحدة التى يجتهد فى اكتشافها العقل البشري، ويكشف عنها الوحى الإلهى للأنبياء ويضمنونها كتبهم. اعتقد ابن رشد بحقيقة واحدة ودروب مختلفة إليها. واعتقاده بتعدد الطرق التى تفضى إلى الحقيقة هو أساس حرية الفكر لديه. الأديان والفلسفات والعلوم، دروب مختلفة إلى الحقيقة الواحدة. كتب ابن رشد: والحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له. إنه لموقف رائع يعلم احترام الرأى الآخر وقبوله كما هو من دون تحفظ. ما أمس الحاجة بنا إلى بناء ثقافة عربية يكون لها مكان لائق فى مجتمع حضارات العالم. وما أشد الحاجة إلى عودة المثقفين العرب للتمسك بروح ابن رشد، الإيمان بأن الحقيقة تتجلى فى الشرق والغرب معا، وأن الحق يميز من الباطل نتيجة الدراسة وزيادة الوعى والتثقيف. إن أسوأ ما يمكن أن يتعرض له الإنسان، هو المساس بحريته فى التعبير عن رأيه، إنه حكم بالإعدام على روح ابن رشد الذى علم العرب والمسلمين وتعلم الغرب منه. طالب العرب والمسلمون بحرية المساواة بين المرأة والرجل قبل الغرب بسنوات بعيدة. الغرب يتحامل علينا اليوم ويريد تلقيننا ما تعلمه من ابن رشد. العودة إلى تبنى فكر ابن رشد، ضرورة هامة من أجل تحسين الوضع الاجتماعى فى الوطن العربي، إنه نضال إنسانى كلنا مدعوون للمشاركة فيه. كل من يساهم فى هذا النضال وينفتح على الحضارات الأخرى فى العالم، معترفا بوحدة الحقيقة، يسير على خطى ابن رشد فى سبيل تحرير الفكر وبناء مجتمع عربى راق. |
