|
الفائزة بجائزة ابن رشد للفكر الحر بيت الآداب - برلين 9/12/2000 مؤسسة ابن رشد للفكر الحر، أيها الاحرار في كل مكان في العالم تتحرك المرأة الفلسطينية، مثقلة بتاريخها، وتاريخ المرأة المقهورة في الوطن العربيّ الكبير، وتتداخل الازمنة: زمن المراة العربية المحاصرة في وطنها الآن، مع زمن المرأة العراقية التي تقاوم الحصار مع شقيقتها الليبية والسودانية مع زمن المرأة السورية التي تناضل لتحرير هضبة الجولان، مع المرأة الجزائرية التي تحارب الجهل والتخلف وتناضل في سبيل حقها في التعبير، وفي سبيل حريات بلادها الديمقراطية، بعد أن حاربت طويلاً لنيل استقلال بلدها من الاستعمار، مع زمن المرأة الجنوبية اللبنانية، التي تعيد بناء بنية بلدها التحتية التي دمّرها الاحتلال الإسرائيلي. وتلتقي
الأزمنة معاً
حيث نضال المرأة
العربية المشترك
ضد الاحتلال
والقهر والتخلّف،
وفي سبيل الحرية
والسلم والعدالة
الاجتماعية.
سيداتي وسادتي، أصحاب الفكر الحر في كل مكان بالعالم معاناة
المرأة الفلسطينية
هي معاناة متصلة
منذ بدايات القرن
العشرين، ونضال
المرأة الفلسطينية
هو نضال متصل
منذ بدايات القرن
العشرين أيضاً.
ولم
تكن هذه الجمعيّات
بعيدة عن العمل
السياسي، وإن
ركّزت على العمل
الاجتماعي،
إذ كرّست كثيراً
من اهتمامها
ووقتها للسياسة،
ولكن بشكلها
غير المباشر.
أما المرأة الريفية الفلسطينية، فقد قامت بدور آخر لم تقم به المراة المدنية، لقد شاركت بشكل كبير وفعّال في الثورة المسلّحة، بكافة أشكالها، مما لم يُكتب في التاريخ المُدوّن وكشفته أبحاث التاريخ الشفوي السياسي للمرأة الفلسطينية حديثاً، وسقطت أول شهيدة فلسطينية في معركة وادي عزّون، كانت تقاوم مع الثوّار، فاطمة غزال عام 1936. أما مشاركة المراة الفسطينية في العمل السياسي في الاربعينات، فقد اتخذ أشكالاً عديدة : تكوين الفرق السرية للمقاومة مثل "زهرة الأقحوان" في يافا، التي أسّستها مهيبة وعربية خورشيد عام 1947، تكوين المزيد من الجمعيات النسائية مثل جمعية التضامن النسائي، التي أسستها لولو أبو الهدى عام 1948، وسقطت شهيدات على ارض الوطن، كن يُسعفن الجرحى في قرية دير ياسين أثناء المذبحة عام 1948. ولقد تجلّى عمل المرأة الفلسطينية اليومي البطولي، في مواجهة النكبة 1948 ، حيث الحفاظ على العائلة من الدمار والضياع والتشرّد، المقاومة المستمرّة لكافة محاولات هزيمتها، عملها لإعالة أسرتها، بنائها مكان سكنها بيدها في الشتات، متحملة لأقسى الظروف وأصعبها، دورها المتميّز في صياغة الثقافة الفلسطينية. أما فترة أواخر الخمسينات، وأول الستينات، فقد شهدت نضالاً فلسطينياً منظماً، حيث انخرطت المرأة الفلسطينية لأول مرة في تاريخ العمل النسائي ضمن التنظيمات الحزبية العربية : حزب البعث العربي الاشتراكي، حركة القوميين العرب، الحزب الشيوعي، الحزب القومي السوري، مارست المرأة عملا سياسيا منظما، نظّمت المظاهرات، وكتبت المنشورات التي تشرح وتوضح وجهة نظر التنظيم السياسية، وقادت الخلايا التنظيمية، مما جعلها تتعرض للاعتقال والتعذيب والمطاردة والاستشهاد، كما حدث مع رجاء أبو عماشة، التي استشهدت بينما كانت تقود المظاهرات التي تندد بحلف بغداد وتدعو إلى إسقاطه. ولقد تأسّس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية عام 1965، بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، ليكون قاعدة من قواعد منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلا شرعياً وحيداً للمرأة الفلسطينية، داخل الوطن وخارجه وإطاراً شعبياً ديموقراطياً، يجمع كلمة المرأة الفلسطينية ويوحد صفوفها وينظم طاقاتها، للمشاركة في جميع النشاطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل الوطن وخارجه، لتنمية المرأة والنهوض بها في التجمعات الفلسطينية المتعددة. حدد الاتحاد العام هدفاً أساسياً سياسياً للمرأة الفلسطينية : السعي إلى إدماجها في حركة تحرير وطنها من الاحتلال الإسرائيلي، وتحقيق حق تقرير المصير، وحق العودة لشعبها، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل التراب الوطني، وعاصمتها القدس الشريف. كما
وضع الاتحاد
نصب عينيه رفع
مستوى وعي المرأة
الفلسطينية،
ومشاركتها في
صنع القرار،
على مستوى الأحزاب
السياسية والاتحادات
والمنظمات الجماهرية.
وضع
الاتحاد ضمن
أهدافه :
امتد نضال المراة الفلسطينية واتخذ أشكلاً متعددة، في السبعينات، حيث انتشرت المراكز النسائية في كافة التجمعات النسائية، وخاصة في المخيمات الفلسطينية، وتأطّرت الكثيرات من النساء، داخل تنظيمات المقاومة ومن خلال نشاط الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، الذي حاول من خلال فروعه خارج الوطن وفي مخيمات ومواطن اللجوء الفلسطينية أن يصل إلى النساء وأن ينظم حركتهن وأن يرتقي بواقعهن من أجل تحقيق أهداف الاتحاد. انتشرت مراكز محو الأمّية، مراكز التأهيل المهني، رياض الأطفال، الندوات التثقيفية الصحية للنساء، الندوات السياسية، الندوات الفكرية والأدبية، تعليم اللغات، دورات الخياطة والتطريز، جنباً إلى جنب مع التدرب على حمل السلاح، وأعمال الميليشيا ، ودورات الإسعاف الميداني. أما في فلسطين فقد شهدت اواخر السبعينات، وعام 1978 بالذات، تشكيل أطر نسوية فلسطينية سعت إلى تغيير في وسائل عملها، وإلى تعميق الصلة بجماهير النساء، وحاولت الوصول إلى النساء في المصانع والحقول وأماكن السكن، في القرية والمدينة والمخيّم، مما استقطب الكثيرات ضمن هذه الأطر، مما مهد لمشاركة واسعة من المرأة فترة الانتفاضة التي انطلقت في أواخر الثمانينات، في 9 كانون الأول عام 1987. انطلقت الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي استمرت ثماني سنوات، لتتسع مشاركة المراة وتنطلق كما الطوفان، وبدلاً من تنظيم مئات النساء، اتسعت الانتفاضة وامتدّت إلى آلاف النساء. تنوّعت أشكال نضال المرأة، فظهرت المرأة في الشوارع والميادين العامة، في القرى والمخيمات، أقامت المتاريس وألقت الأحجار على جنود الاحتلال، وقادت مجموعات ضاربة، وحمت الشابات والشبّان من الاعتقالات بجسدها، عملت ناطقة إعلامية، قادت المظاهرات، وشكّلت اللجان الشعبية على مستوى الأحياء التي قدّمت الخدمات المختلفة للناس، في مجال الصحة والرعاية الاجتماعية، ومارست التعليم في المنازل عند الضرورة، وزرعت بعض ما تحتاجه في بيتها، واضعة الأساس لاقتصاد منزلي، ولسياسة الاعتماد على الذات، ومحاربة البضائع الإسرائيلية، كما وضعت البرامج للعناية بالجرحى والأسرى والشهداء. ظهرت في نفس الفترة مجموعة من المراكز النسوية، مركز شؤون المرأة في نابلس عام 1988، مركز الدراسات النسوية في القدس عام 1989، مركز شؤون المرأة في غزّة عام 1989، طاقم شؤون المرأة 1991، ومركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي عام 1991، ومعهد دراسات المرأة/جامعة بيرزيت عام 1994، ومركز القدس للنساء، ومؤسسة مشرقيات/غزّة عام 1998. تبنت هذه المراكز مجال البحث النظري، وعمدت إلى تدريب جيل من الشابات على وسائل البحث العلمي من وجهة نظر النساء، اهتمت بتغيير صورة المرأة التقليدية في المجتمع، وفي وسائل الإعلام بشكل خاص، ركّزت على موضوعات العنف الأسري وقضايا التمييز في القوانين ضد المرأة بشكل أكاديمي، على قضايا البحث، والإرشاد القانوني والنفسي، والتعبئة والضغط مما يمكن أن يفيد الاتحادات والهيئات النسائية، ويشكل إضافة نوعية للحركة النسائية. ومع تشكيل السلطة الوطنية بعد اتفاقيات اوسلو، وصلت بعض السيدات إلى مواقع صنع القرار، ولكن بصورة لا تتناسب مع نضال المراة الفلسطينية وتضحياتها، وقد بادر الاتحاد العام للمرأة الفلسطينيةإلى إصدار " وثيقة مبادئ حقوقية نسويةط في 2/8/1994، في مدينة القدس، بمشاركة جميع القوى النسوية الفلسطينية. طالبت الوثيقة بتضمين مطالب خاصة بالمرأة في الدستور الفلسطيني، تتعلق بالحقوق السياسية، والاجتماعية، والمدنية والاقتصادية، وشكلت الوثيقة محاولة مبكرة من قيادة الحركة النسائية لتوحيد مطالب المرأة في مرحلة تأسيس السلطة الوطنية، على طريق بناء دولة فلسطينية على كامل التراب الوطني. وقد بادر الاتحاد أيضاً، وبالتعاون مع المؤسسات والمراكز النسوية، إلى تقديم مذكرتين إلى المجلس التشريعي الفلسطيني، الأولى في آذار 1997، والثانية في آذار عام 2000. يثمن الاتحاد في المذكرتين المجهودات التي بذلت في إصدار عدد من القوانين والسياسات التي تنسجم مع مرتكزات الاستراتيجية الوطنية للمرأة الفلسطينية، ولكنه يُذكِّر المجلس بغياب التشريعات واليياسات الكفيلة بالارتقاء بوضعها، مما دعى إلى إعادة التأكيد على هذه المطالب التي تنطلق من مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، والتي يجب أن ينص عليها في دستور دولة فلسطين، وكافة التشريعات. وتتركز المطالب في ضمان حصول المرأة على حقوقها السياسية والمدنية واهليتها القانونية وحقوقها الاقتصادية والثقافية والصحية، ومناهضة العنف ضد المرأة، والنضال من أجل تشريع قانون أسرة فلسطيني موحّد، يرتكز على العلاقات الديمقراطية داخل الأسرة، وحق المشاركة لجميع أفرادها دون تمييز، وصولاً إلى مجتمع ديوقرطي تعددي حرّ، يضع الإنسان في بؤرة اهتمامه، ويعتبر المرأة والرجل شريكان في الارتقاء باوضاع المجتمع. سيداتي سادتي، يا أحرار العالَم تواجه الحركة النسائية الفلسطينية تحديات كبرى في هذه المرحلة، ما زال أمامها إنجاز الاستقلال والتحرر الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية حتى بوجود سلطة فلسطينية على بعض أجزاء فلسطين. إن التخلص من الاحتلال الإسرائيلي يعني رفع الحصار عن الاقتصاد الفلسطيني، الذي تشوّه بفعل الاحتلال، مما يُتيح نمواً طبيعياً للمرأة الفلسطينية، ويتيح تمكينها من إشباع حاجاتها الاساسية ومشاركتها في مستويات التنمية وبرامجها ومشروعاتها، كما يتيح لها أن تضع القوانين والتشريعات التي تحمي المرأة وتصون حقوقها. يتيح لها المزيد من الإبداع في مجالات الإبداع المختلفة : الآداب، الفن التشكيلي، النحت، الموسيقى والتقدم العلمي والتكنولوجي. هناك تحدٍّ آخر يتمثل بضرورة إيجاد الأدوات التنظيمية وآليات العمل التي تناسب المرحلة، وتوحيد الجهود النسائية بكل توجهاتها السياسية لمواجهة الواقع. أما تطوير مؤسسات ديمقراطية جماهيرية فهي التحدي الكبير الذي يمكن أن يؤدي إلى تحقيق أهداف القطاع النسوي الواسع وتمثيل قضاياه وتحديد اولوياته. إنّ
المرحلة الجديدة
تتطلب التزاماً
عالياً من الحركة
النسوية في
تطوير مؤسسات
نسوية مهنية
من جانب، وجماهيرية
من جانب آخر،
لبناء مجتمع
ديمقراطي يواجه
كل أشكال الاضطهاد.
|