برلين تستعيد ابن رشد بجائزة خامسة لأركون

هاشم صالح


في برلين وفي السادس من الشهر المقبل، سوف تمنح جائزة ابن رشد للمرة الخامسة للمفكر الجزائري الكبير محمد اركون، والجائزة مهمة بمدلولها الرمزي بالدرجة الاولى، فابن رشد هو المفكر العربي ـ الاسلامي الوحيد الذي استطاع اختراق الغرب حتى الآن وتحول بالتالي الى مفكر كوني لا يقل اهمية عن كبار الفلاسفة الاوروبيين من امثال القديس توما الاكويني ومن تلاه، بل إنه اصبح استاذا للغرب اللاتيني المسيحي او قل استاذا لاساتذة الغرب في جامعات شهيرة كالسوربون وبولونيا (ايطاليا) واكسفورد.. وتحول فكره الى تيار عريض يدعى التيار الرشدي او في اللغات الاجنبية
Averroisme، وحتى هذه اللحظة لم يستطع اي مفكر عربي او مسلم ان يصل الى هذه المرتبة، ربما كان ابن سينا هو الوحيد الذي نافسه في فترة ما، دون ان يبلغ نفس تأثيره.
منذ زمن طويل كنت اعتقد ان محمد اركون هو ابن رشد العصور الحديثة، مع عدة فوارق بالطبع وأولها فارق العصر، فابن رشد عاش ومات قبل ثمانمائة سنة 1126 ـ 1198، اي في عز العصور الوسطى بحسب التقسيم الاوروبي لتاريخ الفكر، لكنه العصر الذهبي للحضارة الاندلسية والعربية الاسلامية بحسب تقويمنا نحن، بعده مباشرة ابتدأ الانحطاط والجمود، ثم الدخول في العصور الوسطى الحقيقية للعالم الاسلامي، وهي عصور لم نخرج منها حتى الآن، بل ربما كنا نعيش في هذه الفترة بالذات احلك لحظاتها.
بمعنى آخر عندما ابتدأت اوروبا تخرج رويدا رويدا من مناخ العصور الوسطى والظلامية اللاهوتية، اخذنا نحن نغرق فيها رويدا رويدا. وعندما ابتدأوا هم يترجمون ابن رشد ويشرحونه ويبنون عليه نهضتهم المقبلة، ابتدأنا نحن نلعنه ونهمش فكره ونتبرأ منه.. وحتى هذه اللحظة لا يزال يعتبر هرطيقا، زنديقا، خارجا عن الاسلام من قبل شرائح واسعة من التيار الاسلامي او ما يدعى بالحركات الاصولية المعاصرة.
ولهذا السبب فإن اركون اخترع مصطلحا خاصا للدلالة على هذا الوضع. وطالما تحدث عنه في دروسه الاسبوعية الشهيرة في السوربون او في كتاباته ومؤلفاته، هذا المصطلح هو التالي: سوسيولوجيا الاخفاق او النجاح، بمعنى آخر: لماذا فشل فكر ابن رشد في ارضه الخاصة بالذات، اي في العالم العربي والاسلامي؟ ولماذا نجح على الضفة الاخرى من المتوسط. اي في العالم الاوروبي؟ لماذا بقي ورقة ميتة في ارض الاسلام على الرغم من انه كان ينتمي الى اعرق العائلات الاندلسية؟ فجده ايضا كان قاضي قضاة: ابن رشد الجد، وابن رشد الحفيد.. وكل هذا يقود الى سؤال الاسئلة: لماذا هُزم الفكر العقلاني او الفلسفي عندنا وانتصر في اوروبا حتى ولّد كل هذه الحضارة التي نعرفها؟
اركون عندما يطرح هذا السؤال يفكر في نفسه ايضا، وليس فقط بابن رشد. فهو يخشى ان يحصل له ما حصل لسلفه الاكبر قبل ثمانمائة سنة، والواقع ان الفقهاء المالكيين، حراس الارثوذكسية، الذين كانوا قد هاجموا ابن رشد وحاصروه، لا يزالون موجودين حتى هذه اللحظة، بل ربما كانت سطوتهم الآن اقوى من ذي قبل، ولكن الفرق بين الحالتين هو ان العقلانية الفلسفية اصبحت عقيدة كونية الآن، وبالتالي فبامكانها ان تحاصرهم بدورها وتقلم اظافرهم.
ولذلك فإني لا اشاطر اركون تشاؤمه حول احتمالية هزيمة الفكر الفلسفي مرة اخرى في ارض الاسلام. صحيح ان المعركة سوف تكون ضارية، وصحيح ان القوى الارتكاسية او الظلامية لا تزال مهيمنة سوسيولوجيا، اي عدديا، ولكن المستقبل ضدها وكذلك الحداثة الكونية المحيطة، ولا ينبغي ان نقلل من اهمية القوى الجديدة الصاعدة في كل انحاء العالم العربي والاسلامي. فهي موجودة والحمد لله وليست ضعيفة الى الحد الذي نتصوره. يضاف الى ذلك انها مرشحة للتزايد يوما بعد يوم وان كان ضجيج الاصوليين لا يزال يغطي عليها حتى الآن.
كان اركون قد وضح موقفه من ابن رشد في عدة مواضع. من بينها كتاب «صدمة ابن رشد، كيف صنع فلاسفة العرب اوروبا». وهو كتاب جماعي كانت له فيه مداخلة يقول فيها ما معناه: هل يمكن لابن رشد ان يلعب دورا ما في الوضع الراهن؟ هل يمكنه ان يساعدنا على الخروج من المأزق الذي نتخبط فيه؟
وكان جوابه انه يستطيع ان يحثنا على المزيد من التسامح والدقة الفكرية والانفتاح العقلي على الثقافات البشرية، فكما انه انفتح على ارسطو والفلسفة اليونانية الى اقصى حد ممكن، فإننا نستطيع ان ننفتح على الفلسفة الاوروبية التي حلت محلها. فالحداثة الاوروبية بالنسبة للمثقف العربي اليوم هي بمثابة الفلسفة اليونانية بالنسبة لفلاسفة العرب والمسلمين بالامس.
ولهذا السبب فإن اعادة الاعتبار لفكر ابن رشد وادخاله في برامج التعليم الثانوي والجامعي في كل البلدان العربية يشكل خطوة مفيدة بدون شك، وربما كان يستحسن ان نترجمه من اللغة العربية القديمة الى اللغة العربية الحديثة او تلخيصه او تبسيطه لكي يفهمه الطلاب، ويمكن ان نقول الشيء ذاته عن بقية فلاسفة العرب كالفارابي والكندي وابن سينا.. الخ.
فهذا العمل يشكل رسالة موجهة الى جميع الطلاب مفادها: انه وجد في تراثهم العربي ـ الاسلامي تيار آخر غير التيار الاصولي المتزمت الذي يهيمن علينا منذ سبعمائة سنة وحتى اليوم، لكنه همش وقلص وحذف الى درجة اننا اصبحنا نعتقد ان كل تراث الاسلام هو هذا التيار الاصولي ولا شيء غيره. لقد بتروا التراث بترا وقضوا على وجهه الآخر المضيء حتى لكأنه لم يوجد يوما ما. ونقصد به التيار العقلاني والانساني الذي نجح في الجمع بين جوهر الرسالة القرآنية من جهة والفلسفة الارسطوطاليسية والافلاطونية من جهة اخرى، وقد تجسد هذا التيار في شخصيات كبرى ليس اقلها ابن رشد نفسه بالاضافة الى الجاحظ والتوحيدي ومسكويه والمعري.. الخ..
ولكن هل يكفي ذلك للخروج من المحنة التي نعاني منها حاليا؟ بالطبع لا. وهنا يكمن الفرق الاساسي بين عصر اركون وعصر ابن رشد، فابن رشد على الرغم من عظمته يظل محكوما بسقف معرفي لا يمكن ان يتعداه: هو سقف العصور الوسطى. هذا في حين ان اركون يستظل بسقف العصور الحديثة. وشتان ما بين عقلانية العصور الوسطى وعقلانية العصور الحديثة!
هناك سنوات ضوئية تفصل بينهما.
ابن رشد كان مضطرا للخضوع لعلم اللاهوت في نهاية المطاف مهما بلغ من عقلانية وجرأة في التأويل. وذلك لأن الفلسفة في العصور الوسطى الاسلامية كما المسيحية كانت خادمة ذليلة لعلم اللاهوت. ولم يتحرر العقل البشري من المسلمات اللاهوتية الا في عصر التنوير الاوروبي: اي بعد موت ابن رشد بزمن طويل، وبالتالي فلا ينبغي ان نبالغ في قيمته على الطريقة التبجيلية المعروفة. ينبغي ان نموضعه ضمن ظروف عصره وامكانياته، عندئد ندرك ان القطيعة الابستمولوجية او المعرفية الكبرى حصلت بعد منتصف القرن الثامن عشر وترسخت في القرنين التاسع عشر والعشرين.
وعندئذ اصبح العقل البشري مستقلا بذاته لاول مرة ومتحررا من كل المرجعيات الغيبية او الفوقية. اصبح هو مرجعية ذاته. وهذا الشيء ما كان ممكنا في عصر ابن رشد لان الثورة الفيزيائية او العلمية لم تكن قد حصلت بعد. ونقصد بها ثورة كوبرنيكوس، فغاليليو، فنيوتن. وهي الثورة التي ترجمها على الصعيد الفلسفي ايمانويل كانط بكل عبقرية واقتدار. وبالتالي فبعد ظهور كانط او حتى ديكارت من قبله، لم تعد لابن رشد الا قيمة تاريخية.
ما الذي يعنيه هذا الكلام؟ انه يعني ان كل الحداثة العلمية والفلسفية ظهرت بعد «العصر الذهبي» للحضارة العربية الاسلامية. ولم يتح لنا ان نشارك في أية مرحلة من مراحلها. لقد تشكلت خارجنا تماما في الفترة الواقعة بين القرنين السادس عشر والعشرين، ولهذا السبب فإنه لا يكفي ان نستعيد الفلسفة العربية الاسلامية ونقررها على الطلاب في البرامج الدراسية، وانما ينبغي ان نضيف اليها كل ما تجدد في ساحة العلم والمعرفة بعد القرن السادس عشر عندما كنا لا نزال نغط في نوم عميق تحت كابوس الامبراطورية العثمانية.. وهذا ما دعاه اركون بالفتوحات العلمية والفلسفية الكبرى للحداثة والتي لا تزال تشكل حتى الآن ما ندعوه باللامفكَّر فيه او المستحيل التفكير فيه بالنسبة للثقافة العربية والاسلامية ككل، وينبغي ان نضيف اليها الفتوحات اللاهوتية، اي التجديدات التي طرأت على علم الدين نفسه. فنحن لسنا متخلفين فقط في العلوم الدنيوية او التكنولوجية وانما ايضا في العلوم الدينية! والدليل على ذلك ان اوروبا شهدت ثلاث ثورات لاهوتية انتقلت بها من لاهوت ما قبل الحداثة الى لاهوت ما بعد الحداثة مرورا بالاصلاح الديني واللاهوت التنويري والليبرالي.
اما نحن فلا نزال نراوح في مكاننا منذ ايام الاشعري: اي لا نزال محكومين بلاهوت العصور الوسطى.
اذا ما أخذنا هذه المعطيات بعين الاعتبار فهمنا سبب الصدام المروع الحاصل الآن بين العالم الاسلامي والغرب واستطعنا ان نفسر بشكل دقيق ظاهرة ابن لادن.

 

رجوع لصحافة 2003